و أما حكاية الضياع الأبدي للوثائق الأولى ، فكان عليه أن يذكر لنا أمثلة ، لأن كلامه هذا مُجمل فيه حق و باطل، و يحتمل عدة تأويلات ، فكان عليه أن يُحدد لنا بدقة ما يُريد ، لكنه لم يفعل ذلك جريا على طريقته و عادته في التغليط وإثارة الشكوك و الشبهات . و لكننا مع ذلك نقول: إذا كان يقصد النُسخ الأصلية التي كتبها أصحابها و لم تصلنا بنسخها الأصلية ،و لا منسوخة عن الأصل ، فهذا صحيح بأنه ضياع.و أما إذا قصد الُنسخ الأصيلة التي وصلتنا محفوظة في الصدور ، و موثقة و منسوخة في الكتب ، فهذا ليس ضياعا أبدأ ،و إنما هو الوسيلة الوحيدة المأمونة للمحافظة على القرآن و السنة و التراث الفكري الإسلامي ، و أغلب الظن أن أركون يقصد المعنى الثاني ليصل إلى الطعن في مصدرية القرآن و السنة ، و التراث العلمي الإسلامي .
و أما أخطاء الجابري التاريخية المتعلقة بالطوائف الإسلامية ، فسأذكر منها ستة أخطاء ، أولها إنه ادعى أن محمد الباقر و ابنه جعفر الصادق، هما من أئمة الشيعة الإمامية ، و يُعد جعفر الصادق الإمام الشيعي الأكبر الذي كان مسالما لأهل السنة ، و هو الذي أشرف على تنظيم الفكر الشيعي ،و صياغة قضاياه صياغة نظرية للرد على السنيين و المعتزلة و غيرهم . و كان والده محمد الباقر يحصر الإمامة في ذرية جده الحسين ،و عليه فهو الإمام بعد أبيه زين العابدين (1) .
(1) تكوين العقل العربي، ص: 63، 220 . و بنية العقل ، ص: 319 ، 320 ، 326 . و العقل السياسي ، ص: 246 .