و أما موقف أهل السنة من تلك المسألة ، فهم قالوا: إن القرآن كلام الله غير مخلوق ، و لم يقولوا أنه قديم ، و هو كلام الله حقيقة بحروفه و معانيه ، منه بدأ و إليه يعود، و هو من علم الله و كلامه و أمره . و علمه و كلامه صفتان لله ليستا مخلوقة ، . و فرّقوا بين الخلق و الأمر ، فالقرآن من أمر الله و علمه و أمره و ليس من خلقه ، لقوله تعالى: { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} - سورة الأعراف/54- و (( بَعْدَ الَّذِي جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ - سورة البقرة/120-(1) ، و بناء على ذلك لا يُوصف القرآن بالخلق و لا بالحدوث ، لأن الذي يُوصف بذلك هو المخلوق، و هذا لم يُبينه أركون . كما أنه أخطأ عندما زعم أن أهل السنة يقولون بأن القرآن مزامن لله و سرمدي مثله ، فهذا لم يقله أهل السنة، فالله عندهم هو الأزلي السرمدي الوحيد بذاته ، و صفاته تابعة لذاته ، و ليست منفصلة عنه ،و لا هي ذواتا مغايرة له . فهو سبحانه لم يزل متكلما بماء شاء ، و متى شاء (2) .
و أما أخطاء الجابري فسنذكر منها خمسة أخطاء ، أولها إنه زعم أن الشواهد و القرائن تُؤكد كلها أن (( الأمويين لم يُحاولوا توظيف الدين و لا ما يمت إليه بصلة في إطفاء الشرعية على حكمهم ، باستثناء فكرة القضاء و القدر التي تعني أنهم انتصروا على خُصومهم بالقوة ، و أن هذا الانتصار كان مسألة حتمية ) ) (3) .
(1) أنظر مثلا: ابن تيمية: مجموع الفتاوى ، ج 3: 144 ،و ج 6 ص: 313 . و اللالكائي: اعتقاد أهل السنة، دار طيبة ، الرياض، 1402 ، ج 1 ص: 151 .و ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية ، ص: 168 . و ابن كثير: البداية ، ج 10 ص: 33 . و صديق حسن خان: قطف الثمر ، ص: 71، 72 . و أبو الحيسن بن أبي يعلى: طبقات الحنابلة ، ج 2 ص: 414 .
(2) انظر نفس المصادر .
(3) العقل الأخلاقي ، ص: 141-142 .