و منها أيضا إن كلا من المشروعين ينظر إلى القرآن على أنه يفتقد إلى المعيار الذاتي الصحيح الذي بواسطته نُميز بين الآيات المحكمات و المتشابهات ، و بما أنه يفتقد إلى ذلك حسب زعمهما ، فإن لكل إنسان أن يفهم الإسلام على هواه و كما يُريد ،و لا يصح له أن يُنكر على من يُخالفه في فهم الإسلام ، حتة و إن انتهى به فهمه إلى هدم الإسلام ،و نقض قواعده .و هذا المبدأ الخطير يندرج ضمن مبدأ التأويل الفاسد الذي قال به الباطنية و المؤولون للصفات من المتكلمين و الفلاسفة في العصر الإسلامي في فهمهم للإسلام حسب خلفياتهم المذهبية (1) . و هو المبدأ نفسه قال به الآن أركون و الجابري ، و قد رددنا عليهما في الفصل الثاني.
و منها أيضا إن كلا من أركون و الجابري تعصب لمشروعه الفكري و بشر به من جهة ، و جعل نفسه في حرج شديد و تناقض صارخ عندما أعلن كل منهما أنه يدين بالإسلام ، و هو يعمل ضده بمشروعه الفكري من جهة أخرى ! .
و من ذلك أيضا إن كلا من المشروعين جعل الإسلام توراثا فكريا موروثا استهلكه الزمن من جهة ، و سعى إلى احتوائه و ترويضه، وتقزيمه و تشويهه من جهة أخرى. كما أن كلا منهما اتخذ العقل المسلم موضوعا له، سماه أركون: نقد العقل الإسلامي ، و سماه الجابري: نقد العقل العربي ، فالموضوع واحد وإن اختلفت زوايا النظر و مجالات الطرح و التسمية .
و أما الخصائص التي تفرق بين المشروعين و تُميز بينهما ، فإن مشروع أركون يتميز بأنه مشروع تغريبي استشرافي قلبا و قالبا، ظاهرا و باطنا ، وُضع خصيصا لهدم الإسلام . و بُني أساسا على الطعن في الإسلام و التشكيك فيه، باختلاق الأكاذيب و ترويج الشبهات حوله ، و هذه حقيقة ثابتة تشهد بها كتب أركون .
(1) للتوسع في مبدأ التأويل الفاسد و خطورته ، انظر كتاب الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة لابن قيم الجوزية .