و الخطأ الثاني هو قوله: (( يُعلم الطبري إذن بصريح العبارة أن التاريخ لا مجال فيه ل (( ما أدرك بحجج العقول ) )، و هذا النص الذي استشهد به هنا هو جزء من المقطع الساقط من النص ، و خطأه هنا هو أنه قوّل الطبري ما لم يقله ، و قول الطبري كما جاء في النص و سياقه هو: (( وليعلم الناظر في كتابنا هذا أن اعتمادي في كل ما أحضرت ذكره فيه مما شرطت أني راسمه فيه إنما هو على ما رويت من الأخبار التي أنا ذاكرها فيه والآثار التي أنا مسندها إلى رواتها فيه دون ما أدرك بحجج العقول واستنبط بفكر النفوس إلا اليسير القليل منه ) )، فالجابري لم ينقل النص كاملا ، و أخرجه من سياقه ، لأن الطبري لم يقل أن التاريخ لا مجال فيه لما أدرك بحجج العقول على ما ادعاه الجابري (1) . و إنما قال: إنه يذكر الأخبار مُسندة كما وصلته ، من دون ممارسة للنقد العقلي ، القائم على الحجج و الاستنباط الفكري ، إلا القليل اليسير منه . فالطبري لم ينكر ممارسة النقد في التاريخ ، و إنما هو أخذ على نفسه -حسب شرطه- ، بأن ينقل الأخبار كما وصلته ، من دون نقد لها في الغالب الأعم ، لكنه مع ذلك صرّح بأنه يمارس النقد أحيانا بقوله: (( إلا اليسير القليل منه ) ). و هذا اعتراف منه بوجود النقد التاريخي ، و قدرته على ممارسته حين يُريد . و هذا يُخالف تماما ما ذهب إليه الجابري الذي قوّل الطبري ما لم يقله .
(1) بنية العقل العربي ، ص: 549 .