فهرس الكتاب

الصفحة 65 من 613

و الخطأ الثالث هو أن الجابري ربط بين قولين منفصلين للطبري من حيث الموضع و سياق الكلام ، و قوّله ما لم يُرد قوله ، فنقل عن الطبري قوله: (( ما أدرك بحجج العقول ) )، و نقل عنه قوله: (( أخبار المُخبرين و نقل الناقلين ) )، فالنقل الأول نقله من النص الذي سقط منه سابقا . و أما النقل الثاني فنقله من سياق كلام آخر للطبري ، و هو (( إذ كان العلم بما كان من أخبار الماضين وما هو كائن من أنباء الحادثين غير واصل إلى من لم يشاهدهم ولم يدرك زمانهم إلا بإخبار المخبرين ونقل الناقلين دون الاستخراج بالعقول والاستنباط بفكر النفوس ) ). فجاء الجابري و أخذ القولين و ذكرهما في السياق الآتي: (( يُعلن الطبري إذن بصريح العبارة ، أن التاريخ لا مجال فيه ل (( ما أدرك بحجج العقول ) )، و إنما المُعوّل عليه فيه هو (( أخبار المخبرين و نقل الناقلين ) ) (1) .

فبخصوص القول الأول ذكرنا أن الجابري سلّه من مكانه ، و وظفه بما يُخالف ما أراد الطبري قوله . و أما القول الثاني ، فهو أيضا سلّه الجابري من سياقه و ربطه بالقول الأول ، و وظّفه بما يُخالف ما أراد الطبري قوله . لأن الطبري أراد أن يقول: إن المصادر التي يُؤخذ منها أخبار الماضين- لمن لم يُشاهدهم و يُدرك زمانهم - لا يمكن الوصول إليها إلا عن طريق الأخبار المروية ، و لا يمكن الوصول إليها عن طريق الاستخراج بالعقول ، و الاستنباط بفكر النفوس ، و كلامه هذا صحيح ، و لا يعني أنه رفض استخدام العقول في ذلك ،و إنما وضع الأمر في مكانه بما يُوجبه العقل نفسه . لأن العقول ليست مصدرا للتاريخ الذي لم تعاصره و تعش أحداثه ، و إنما هي وسيلة لتدوين تاريخ الماضين ، و فهمه ، و استنباط نصوصه و تفسيرها . و المؤرخ مهما أوتي من عبقرية لا يمكنه تدوين تاريخ -لم يعش أحداثه- من دون نصوص تاريخية ، لأن التاريخ لا يُستخرج من العقول .

(1) نفسه ، ص: 549 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت