و أما قوله بأن ابن خلدون اكتشف علما جديدا يصلح أن يكون- على الأقل من وجهة نظر ابن خلدون- معيارا صحيحا للنقد التاريخي ، فهو قول غير صحيح ، لأن ابن خلدون لم يكتشف علم التاريخ ولا منهجه النقدي ، و إنما اكتشف علم العمران البشري ، بمعنى أنه أول من اكتشفه بالنسبة إلى غيره من العلماء، و إلا فإن القرآن الكريم أشار إليه مرارا ، و ذكر كثيرا من سننه قبل أن يؤلف ابن خلدون مقدمته بأكثر من 750 سنة (1) . و هذا العلم الجديد يدرس ظواهر العمران البشري و السنن المتحكمة فيه ، و ليس هو معيارا لنقد الروايات التاريخية ، و إنما هو نفسه ميدانا لتطبيق منهج النقد التاريخي على ظواهره .
و يتبين من انتقاداتنا لموقف الجابري من منهج النقد التاريخي الخلدوني ، أن قوله بأن النظرة التاريخية الخلدونية كانت (( نظرة جديدة تماما ليس على الفكر البياني وحده ، بل على الفكر الإنساني بإطلاق ) ) (2) هو قول غير صحيح تماما ، فيما يتعلق بمنهج النقد التاريخي ، الذي أثبتنا بالأدلة القاطعة و الكثيرة ، بأنه كان موجودا قبل ابن خلدون ، فجاء هو و جزّأه و لم يُوفيه حقه .
و ختاما لما ذكرناه في ها الفصل ، يتبين جليا أن محمد أركون وقع في أخطاء منهجية كثيرة في ممارسته للكتابة العلمية ، لم يلتزم فيها بالمنهجية الصحيحة في دراساته عن الإسلام و أهله ، كاعتماده الأساسي على المراجع الاستشراقية ، و إهماله للمصادر الإسلامية كلية تقريبا . و عدم التوثيق أصلا ، في مواضع كثيرة من مؤلفاته . مع استخدامه للمغالطات و التدليسات ، و وقوعه في المبالغات و التهويلات في كثير من أحكامه و مواقفه .
(1) أخطاء المؤرخ ابن خلدون في كتابه المقدمة ، ص: 170 و ما بعدها .
(2) بنية العقل العربي ، ص: 552 .