وفي قول ابن عباس في الرواية الأخرى، كما عند البغوي يكون المراد من الآية مجازا ً لا حقيقة، والأول أظهر إذ الأمر غير محال والله أعلم.
قال الإمام القرطبي - رحمه الله:"اختلف العلماء في قوله تعالى: { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } هل ذلك حقيقة أو مجاز؟ على قولين:"
الأول: أن ذلك حقيقة، وأن النبي ( - صلى الله عليه وسلم - ) إذ أرسل إليه فهدم رئي الدخان يخرج منه، من رواية سعيد بن جبير، وقال بعضهم: كان الرجل يدخل فيه سعفة من سعف النخل فيخرجها سوداء محترقة، وذكر أهل التفسير أنه كان يحفر ذلك الموضع الذي انهار فيخرج منه دخان، وروى عاصم بن أبي النجود [1] ، عن زر بن حبيش [2] ، عن ابن مسعود أنه قال: جهنم في الأرض، ثم تلا { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } . وقال جابر بن عبد الله: أنا رأيت الدخان يخرج منه على عهد رسول الله ( - صلى الله عليه وسلم - ) .
والثاني: أن ذلك مجاز، والمعنى: صار البناء في نار جهنم، فكأنه انهار إليه وهوى فيه، وهذا كقوله تعالى: { فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (9) } [3] . والظاهر الأول إذ لا إحالة في ذلك والله أعلم" [4] ."
(1) عاصم بن أبي النجود: هو عاصم بن بهدلة الأسدي، مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ صدوق له أوهام حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين. مات -رحمه الله- سنة ثمان وعشرين ومائة.
انظر: تقريب التهذيب (ص: 285) ، وتهذيب التهذيب (5/35) ، والكاشف (1/518) .
(2) زر بن حبيش: الأسدي، الكوفي أبو مريم ثقة جليل مخضرم. مات -رحمه الله- سنة اثنين وثمانين.
انظر: تقريب التهذيب (ص: 215) ، وتهذيب التهذيب (3/277) ، والكاشف (1/402) .
(3) سورة القارعة الآية:9.
(4) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي (8 / 168) .