آبَاؤُنَا. (هود: من الآية87) : الدين؛ لأنّ القوم ـ كما ذكر ـ كانوا يرون أنّ صلاته (عليه السلام) هي من قبيل الوسوسة وأفعال المجانين، فكانوا إذا ما رأوه يصلّي يأخذون بالتغامز والاستهزاء به [1] .
فعلى هذا يكون تقدير الآية ـ إن حمل كلامهم على الحقيقة، وأريد
بـ (الصلاة) : الدين ـ على معنى: أدينك يأمرك أن تكلّفنا بترك عبادة آلهتنا، وهذا ممّا لا ينبغي صدوره عنك؛ لأنّك مشهور بالحكم الفاضل والرشد الكامل
فيما بيننا [2] .
وهذا ما احتمله عدد من العلماء والمفسّرين [3] ، يناء على أنّ الأصل حمل
الكلام على ظاهره، ولكن لا يمنع ذلك من حمله على التهكّم والاستهزاء
من غير إخلال بالمعنى المراد في الآية؛ لأنّ هذا أسلوب من أساليب
العرب المشهورة، فهم يقولون لشخص يستجهلونه: يا عاقل، ويستخفونه
فيقولون له: يا حليم [4] فضلًا عن أنّ حمل المعنى في الآية على المعنى المضادّ
له هو الأقرب إلى حقيقة التعبير في الآية والسياق المتحدّث عن طبيعة قوم
شعيب (عليه السلام) وسوء عقيدتهم، وظنّهم به الأمر الّذي دفعهم إلى أن يهزأوا
به ويسخروا منه.
وبذلك كان للمعنى في (الحليم الرشيد) طريقان، هما: الحمل على المجاز، وعلى الظاهر من دون إخلال في المعنى، وهذا ليس كما يرى أحد الباحثين [5] من أنّ هذه الألفاظ استخدمت استخدامًا مجازيًّا في غير معانيها الحقيقيّة، ولا يمكن حملها على سبيل الحقيقة، ولو حملت على ذلك، لفسد الكلام وهجن ـ على رأيه ـ ولخرج عمّا أراده المتكلّم من كلامه.
(1) إرشاد العقل السليم 4/ 233.
(2) إرشاد العقل السليم 4/ 233.
(3) ينظر: إعراب القرآن 2/ 299، والتبيان في تفسير القرآن 12/ 49.
(4) تأويل مشكل القرآن 185، والصاحبي في فقه اللفة 196 ـ 197.
(5) البلاغة والمشترك اللفظي: عبد الواحد الشيخ 170.