الصفحة 36 من 371

المبحث الأول

الدلالة الصوتية

تعدّ الدلالة الصوتية من التسميات الحديثة التي شغلت حيّزا كبيرًا

من الدراسات اللغوية لدى المحدثين، ولا سيّما تلك الخاصّة بالربط بين الأصوات ودلالاتها، وتستمدُّ هذه الدلالة من طبيعة الأصوات نغمَها وجرسها [1] . وقد أشار إليها اللغويّون القدماء، ولا سيّما ابن جني الّذي انماز عن غيره في بحوثه الصوتية الدلالية الّتي وضعها تحت عنوان (الدلالة اللفظية) [2] ، فكانت آراؤه ومباحثه الصوتية من

أنفع ما قُدِّم في المجال الصوتي الدلاليّ. وقد اتّخذت الدلالة الصوتية لديه

مسارين [3] : ـ

أحدهما: دلالة صوتيّة مطردة معتمدة على استبدال مواقع الفونيمات، مسببة تغييرًا في معاني الألفاظ. فعلى سبيل المثال: إنّ الاستبدال الحاصل بين (الذال) و (الراء) في لفظتي (نفذ) و (نفر) أدّى إلى تغيير في معنى اللفظتين بصورة آليّة.

وتعتمد هذه الدلالةُ أيضًا على الملامح الصوتية التي تؤدي وظيفة دلالية كالنبر

والتنغيم.

والآخر: دلالة صوتية غير مطّردة، وهي دلالة غامضة؛ لأنّها لا تخضع لنظام

معيّن أو قواعد ثابتة، فهي قائمة على تصوّر وافتراض أنّ لكل صوت دلالة

طبيعيّة على معنى معيّنٍ، فما إن يتمّ النطق بهذا الصوت يقفزُ معناه إلى الذهنِ مباشرةً، كما في قولنا:

أمّا أبو السعودِ، فكان من المتأثرين بمن سبقه لاسيما ابن جني، فقد عُني عناية واضحة بالدلالة الصوتية، وذلك، في توجيهِه طائفة من الألفاظ القرآنيّة توجيهًا صوتيًّا لا يخلو من صدى هاتين الدلالتين الصوتيّتين: المطّردة القائمة على الاستبدال الصوتي في مواقع الأصواتِ سواء كان هذا الاستبدال فيما بين الصوامت أو بين الصوائت، أو في

(1) دلالة الألفاظ: د. إبراهيم أنيس 46.

(2) الخصائص 3/ 100.

(3) الدلالة اللغوية عند العرب 166 ـ 183، وينظر: القاري والدرس الدلاليّ في كتابه (مرقاة المفاتيح)

: إيمان صالح مهديّ 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت