الصفحة 216 من 371

المبحث الأوّل

دلالة حروف المعاني

عني علماء اللغو والنحو والأصول بمعاني الحروف ودلالتها، فبيّنوا القيمة الدلاليّة لهذه الحروف، وأنّ وقوعها في الكلام يدلّ على معانٍ، إذ قال سيبويه:"وأمّا ما جاء لمعنى وليس باسم ولا فعل، نحو: ثمّ، وسوف، ولام الإضافة، ونحو ذلك."‍ [1] وقد توضّح ذلك بما قاله الزجّاجيّ:"وحروف المعاني الّتي تجيء مع الأسماء والأفعال لمعانٍ." [2] أي إنّ الحرف ما دلّ على معنى في غيره، وأنّ معناه يتوقّف على ذكر متعلّقاته [3] ، فـ"الحرف وحده لا معنى له أصلًا." [4]

وكانت هذه الحروف موضع خلاف بين النحويّين من حيث التزامها معانيها الأصليّة، وخروجها إلى معانٍ أخر، فذهب الكوفيّون [5] إلى أنّ الحرف الواحد وضع لأكثر من معنى، وجوّزوا نيابة حروف الجر‍ّ بعضها عن بعض، على حين لم يجز البصريّون [6] ذلك، وعندهم أنّ حرف الجرّ باق على معناه الأصليّ، وأنّ ما خالف الأصل يؤول تأويلًا يقبله اللفظ، وعلى تضمين حدث معنى حدث آخر، أي إنّ وضع الحرف موضع حرف آخر، إنّما هو بسبب تضمين فعل معنى فعل آخر يتعدّى بذلك الحرف، وليست من باب التناوب بين الحروف، فقال سيبويه:"اعلم أنّ الفعل إذا كان بمعنى فعل آخر، وكان أحدهما يتعدّى بحرف، والآخر بآخر، فإنّ العرب قد تتّسع فتوقع أحد الحرفين موقع صاحبه إيذانًا بأنّ هذا الفعل في معنى ذلك الآخر؛ فلذلك جيء معه بالحرف المضادّ مع ما هو في معناه." [7]

(1) الكتاب 1/ 12.

(2) الإيضاح في علل النحو 54، وينظر: الجمل: الزجّاجي 17.

(3) تناوب حروف الجر في لغة القران: د. محمد حسن عواد 7، والتراكيب اللغوية: د. هادي نهر 61.

(4) شرح الرضي على الكافية 1/ 9 - 10.

(5) ينظر: معاني القرآن (الفرّاء) 2/ 275، و 2/ 102، و تأويل مشكل القرآن 567 ـ 578،

والإنصاف في مسائل الخلاف: أبو البركات الأنباريّ 2/ 478، والجنى الداني في حروف المعاني:

المراديّ 34.

(6) ينظر: الكتاب 2/ 307، والأصول في النحو: ابن السرّاج 2/ 215 ـ 222، وإعراب القرآن

للنحّاس 3/ 298، والجنى الداني في حروف المعاني 34.

(7) الكتاب 2/ 307، والأصول في النحو 1/ 498، والجنى الداني في حروف المعاني 314، ومغني

اللبيب 1/ 419.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت