الصفحة 6 من 371

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وأفضل الصلاة والسّلام على من أوتي جوامع الكلم المبعوث رحمة للأنام، وعلى آله الطيّبين الأطهار، وأصحابه الأبرار الأخيار.

وبعد،

ما زالت الهمم تترافد، والنفوس تتوق إلى التزوّد من الفيض القرآنيّ الّذي لا تدرك أسراره، ولا تُحدّ كنوز عظمته ولا تنفد عجائبه، متعهّدة بكلّ ألوان البيان والإيضاح. وهذا هو ديدن العلماء والباحثين على تعاقب العصور والأزمان، إذ سعى هؤلاء إلى تفسير ألفاظ الكتاب الحكيم وتراكيبه، وبيان ما غمض منها، والوقوف على أسراره ودلائل إعجازه، وتحليل أسلوبه والكشف عن خفايا معانيه لاستنباط الأحكام الشرعيّة منه، وكانت وسيلتهم في ذلك هي (المعنى) الّذي يعدّ غاية العلوم اللغويّة، والوظيفة الرئيسة للّغة، وهو قوام علم الدلالة والأساس الّذي يبنى عليه، لذا أقيمت في العصر الحديث نظريّات دلاليّة متعدّدة، جعلت من المعنى محورًا لها، فضلًا عن سعيها لتحديد ماهيّته.

وقد تنوّعت ميادين علم الدلالة وفقًا لتنوّع ميادين العلوم اللغويّ‍ة الّتي يتعلّق بها من صوت وصرف ونحو وبلاغة، ولذا قالوا الدلالة الصوتيّة، والدلالة الصرفيّة، والدلالة النحويّة، وهكذا، وهذه المباحث اللغويّة الدلاليّة غايتها الوصول إلى المعنى وتحديده، وهي على صعوبتها من أرقى فروع علم اللغة وأمتعها؛ لانصبابها على دراسة

المعنى.

فالمعنى ـ إذن ـ هو الصلة أو الرابط بين علم الدلالة والعلوم اللغويّة من جهة، وبين علم الدلالة وعلم التفسير من جهة أخرى. فقد توخّاه الدارسون من

لغويّين ونحويّين وبلاغيّين وأصوليّين ومفسّرين لمعرفة أسرار هذه اللغة، لغة

التنزيل العزيز. فكان من بين هؤلاء مفسّر جليل لا يقلّ شأنًا عمّن سبقه من كبار المفسّرين، وهو أبو السعود محمّد بن محمّد العماديّ، إذ إنّه كان يتّسم بسعة أفقه واطّلاعه , فلم يقيّد معارفه باتّجاه محدّد من اتّجاهات المعرفة، ولذا كان مضطلعًا في مختلف العلوم الّتي وجدت آنذاك، فكان قاضيًا وأصوليًّا ومفسّرًا ومتكلّمًا، وقد دلّت على ذلك آثاره الّتي تركها، ومنها تفسيره الّذي بين أيدينا، فهو يعجّ بقضايا البحث الدلاليّ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت