يعدّ الصوت والكلمة وحدتين أساسيّتين في تكوين الكلام، إذ تتكون اللغة من وحداتٍ أساسية هي الكلمات، وهذه الأخيرة تؤلفها عناصر أصغر منها تسمّى الأصوات الّتي يأتلفُ بعضُها ببعض في نسيج كلاميّ معبّر عمّا يدور في ذهن المتكلّم من معانٍ. فاللغة ظاهرة صوتية، الأصل فيها أنها"نظام من الرموز الصوتية المنطوقة" [1] ، ... وهي"أصوات في حروف، وحروف قي كلمات، وكلمات في جمل، وجمل في"
نحو، ونحو في بيان، والبيان وحدة لا تتجزّأ." [2] "
وقد خضعت الأصوات اللغويّة إلى دراسة فاحصة من لدن علماء العربيّة أمثال الخليل بن أحمد الفراهيديّ (ت 175 هـ) ، وسيبويه (ت 180 هـ) ، وابن جنّيّ
(ت392 هـ) ، فتنوّعَت جهودهم العلميّة في المباحث الصوتيّة بين تحليل وتقسيم للأصواتِ بحسبِ مخارجها وصفاتها وما يعتريها من تبدّلاتٍ صوتيّة يتبعها تغيّر في الدلالةِ، من دون الاستعانة بأدوات البحث الصوتي الحديث ووسائله، إذ كانت مباحثهم في هذا المجال مبنيّة على الملاحظة الذاتيّة والحسّ اللغويّ المتميز، ومع ذلك كانت بارعة، وعلى قدر كبير من العلميّة، تحمل بين طيّاتها روعة التفكير ودلالة السبق [3] .
فقد ابتكر الخليل نظامًا جديدًا في ترتيب الأصوات العربيّة وتحديد مخارجها مبنيًّا على التحليل الفسيولوجيّ النطقيّ، وذلك أنّه نظر إلى الحروف وتذوّقها، فرأى أنّ أولاها بالابتداء أدخلها في النطق، وكان ذواقه إيّاها بأن يفتح فاه بالألف، ثمّ الحرف، نحو: أب، أت، أج ... وهكذا [4] .
ثمّ اتُّخذَت هذه الملاحظات الصوتيّة قاعدة أساسيّة بُني عليها علم الأصواتِ في الدرس اللغويّ الحديث الّذي عالج ما أشكلَ لديهم من القضايا الصوتيّة من حيث مخارج الأصوات وصفاتها، وحاول تحديدها بشكلٍ علميٍّ دقيقٍ خاضع لاختبارات الأجهزة العلمية
(1) المدخل الى علم اللغة: د. محمود فهمي حجازي 37.
(2) في فلسفة اللغة: كمال الحاجّ 172.
(3) التفكير اللغويّ بين القديم والجديد: د. كمال بشر 200 ـ 202.
(4) ينظر: العين 1/ 26.