المبحث الثاني
مفهوم الدلالة
(1) مفهوم الدلالة لدى القدماء والمحدثين:
يشكّل المعنى الموضوع الرئيس في علم الدلالة، فهو الأساس الّذي يقوم عليه هذا العلم، إذ إنّه يبحث في معنى الكلمة والجملة، فيخضعهما للتحليل الدقيق، على أنّ هذا البحث عن المعنى لم يكن بحثًا عنه بوصفه"كيانًا مستقلاّ أو كيانًا تمتلكه الكلمات، وإنّما هو فهم لماهيّة الكلمات والجمل، أي كيف تكون هذه الكلمات والجمل ذوات معنى." [1]
فعلم الدلالة علم واسع يختصّ بدراسة المعنى، أو نظريّته والشروط الواجب توافرها في اللفظ كي يكون قادرًا على حمل المعنى [2] ، ويقوم بمعالجة مفاهيم الألفاظ بطرائق منهجيّة، وتحديد علاقاتها بالعالم الخارجيّ، ويقوم بدراسة التطوّر الدلاليّ واتّجاهاته، والعلاقات الدلاليّة بين الألفاظ المفردة من اشتراك و ترادف
وتضادّ وتقابل، ويُعنى ـ كذلك ـ بالأساليب اللغويّة على اختلاف أنواعها كالأمر والنهي والاستفهام، وما يرتبط بها من دلالات، ويُعنى أيضًا بالتراكيب النحويّة والعلاقات بين أجزاء الجملة من فاعليّة ومفعوليّة وسببيّة، فضلًا عن دراسته السياق وأثره في تحديد الدلالة [3] . وعلى ذلك يكون مصطلح (المعنى) أخصّ من الدلالة الّتي تعدّ أكثر شموليّة واتّساعًا منه [4] .
وقد كشفت الدراسات اللغويّة الحديثة كثيرًا من الأصول الدلاليّة في التراث اللغويّ الإسلامي، الّتي جاء بها العلماء العرب القدماء، مع إشارتها إلى وجود خلاف يسير في فهم ماهيّة المصطلح، وتغاير في المدخل أو الأسلوب في معالجة اللغة [5] .
فقد تجلّت المباحث الدلاليّة لدى العلماء العرب من مناطقة ومفكّرين وفقهاء وأصوليّين ولغويّين ونحويّين ونقّاد وبلاغيّين، فكانت موضع عنايتهم، ولا سيّما اللغويّون والنحويّون الّذين اتّخذوا الدلالة وسيلة لفهم الألفاظ والتراكيب ... اللغويّة، معتمدين في ذلك العلاقة القائمة بين اللفظ ومعناه، أو الدالّ ومدلوله، وعلى الرغم من عدم وجود
(1) منهج البحث اللغويّ بين التراث وعلم اللغة الحديث: د. عليّ زوين 91.
(2) ينظر علم الدلالة: جون لاينز 9، وعلم الدلالة: بالمر 3، وعلم الدلالة: أحمد مختار عمر 11.
(3) رؤية جديدة في مفهوم علم الدلالة: د. أحمد نصيّف الجنابي 212 (بحث) .
(4) الألسنيّة التوليديّة والتحويليّة (النظريّة اللسانيّة) : ميشال زكريّا 141.
(5) أضواء على الدراسات اللغويّة المعاصرة: نايف خرما 95، وينظر: البحث الدلاليّ عند ابن سينا في
ضوء علم اللغة الحديث (اللسانيّات) : مشكور العواديّ 95.