بعد هذه الرحلة مع جهود أبي السعود الدلاليّة في القرآن الكريم، يمكن أن نلخّص أهم ما أسفرت عنها من نتائج، نبيّنها بما يأتي:
1 ـ كان أبو السعود شخصيّة موسوعيّة، إذ تميّز بسعة أفقه، وكان ملمًا بمختلف العلوم العربيّة والإسلاميّة، من نحو ولغة وصرف وبلاغة وفقه وقراءات قرآنيّة وعلوم قرآن، كأسباب النزول، والناسخ والمنسوخ، وغير ذلك، وكان لنظرته الشموليّة أثر في تداخل هذه الموضوعات لديه في أثناء تفسيره الآي، فلم يفصل بينها؛ لإدراكه وجود صلة وثيقة بينها.
2 ـ أثبت البحث أنّ مفهوم الدلالة لدى أبي السعود اتّجه اتّجاهات متنوّعة، منها ما له صلة بنشأة اللغة وأصل الوضع، فاللغة لديه توقيفيّة من الله سبحانه وتعالى، متابعًا في ذلك أصحابه من الأشاعرة وطائفة من المعتزلة القائلين بذلك، مع تأكيده امتلاك الإنسان صفة الاستعداد الفطريّ في اكتساب اللغة وتعلّمها.
3 ـ عُني أبو السعود بقضيّة اللفظ والمعنى، أو الدالّ والمدلول والعلاقة بينهما، وكان يطلق على هذين المصطلحين تسمية (المشار والمشار إليه) ، أو (الاسم والمسمّى) ، وقد فصل بينهما، فالاسم لديه غير المسمّى، إذ إنّ الأوّل رمز للثاني الّذي يمثّل الشيء الخارجيّ المدرك بالحواسّ، وهو كذلك ينفي وجود صلة ذاتيّة بين اللفظ ومعناه، أو بين الدالّ والمدلول، قائلًا باعتباطيّة العلاقة بينهما.
4 ـ بيّن البحث إدراك أبي السعود عمليّة الاتّصال اللغويّ المتمثّلة بعناصر المثلّث الدلاليّ لدى المحدثين التي تقوم على أساس (الاسم أو الرمز) وهو أيضًا العلامة أو الدليل لديه، و (الشيء) يقابل المرجع، و (الذهن) لديه يقابل (الفكرة) لدى المحدثين، وهذا يدلّ على أنّ هذه العناصر كانت معروفة لدى العلماء الّذين سبقوا المحدثين بقرون طويلة.
5 ـ كان أبو السعود مدركًا لأثر الاستبدال الصوتيّ في اختلاف معاني الألفاظ سواء كان ذلك الاستبدال في فاء الكلمة، أو في عينها أو لامها، وتنبّه كذلك على قدرة الحركات على توجيه الدلالة الصوتيّة على وفق ما يريده المتكلّم، حالها في ذلك حال الصوامت.