6 ـ كان أبو السعود مدركًا ـ أيضًا ـ أثر التنغيم في تحديد مسارات الدلالة اللغويّة والأنماط التركيبيّة في اللغة بعامّة، وفي القرآن الكريم بخاصّة، فهو لديه وسيلة للتفريق بين الأساليب اللغويّة، وتنوّع دلالاتها بين الإخبار والاستفهام والتعجّب وغير ذلك، وقد تنبّه أيضًا على أثر الدلالة الإيحائيّة لبعض الأصوات من حيث إكسابها القوّة أو الضعف أو غير ذلك من صفات الأصوات.
7 ـ أثبت البحث إحاطة أبي السعود بالقضايا الصرفيّة، لا سيّما الصيغ الصرفيّة ومعانيها والتغيّرات الحاصلة في أوزانها، نتيجة الزيادات الداخلة عليها، إذ عني كثيرًا بدلالات الأسماء من المشتقّات، ودلالات الأفعال لا سيّما المزيدة منها، وكان على دراية بأثر التغيّرات المورفيميّة الطارئة على الألفاظ المؤدّية إلى حصول تغيّر في المعنى.
8 ـ بيّن البحث أنّ أبا السعود كان من القائلين بوقوع المشترك اللفظيّ في اللغة، غير أنّه لم يكن من المسرفين في القول به، بل كان من المضيّقين لمفهومه ووقوعه
في اللغة العربية عمومًا، وفي القرآن الكريم خصوصًا، وهو في ذلك من المتأثّرين بابن درستويه، إذ فرّق بين ما هو من المشترك الحقيقيّ، وما هو من المجازيّ، فالمشترك الحقيقيّ ـ بنظره ـ قليل نادر في اللغة؛ لأنّه وضع لأكثر من معنى في أصل الوضع، ولذا كان أبو السعود يردّ أغلب الألفاظ المشتركة إلى معنى عامّ، ويبحث عن صلة مجازيّة وقرابة لغويّة بينهما، ويعلّل ما اشترك من الألفاظ بعوامل التغيّر وظروف الاستعمال.
9 ـ وقد أقرّ أبو السعود أيضًا بالتضادّ في العربيّة، ولا سيّما في الألفاظ
القرآنيّة، واتّسع هذا المفهوم لديه، فشمل ما سمّاه البلاغيّون بالاستعارة التهكّميّة، وكان وقوفه عند الألفاظ المتضادّة أكثر ممّا هو عليه في المشترك اللفظيّ، وكان موقفه أقلّ تشدّدًا ممّا هو عليه في الاشتراك، وإنّ كان ممّن لا يحيد عن منهجه في إرجاع أغلب معاني الألفاظ المتضادّة إلى أصل دلاليّ واحد.
10 ـ مثلما أقرّ بوقوع المشترك والمتضادّ في اللغة أقر بوقوع الترادف فيها، وموقفه فيه كموقفه من الظاهرتين السابقتين، إذ كان مقتصدًا في القول بالترادف، فقد فرّق بين ما ترادف من معاني الألفاظ ترادفًا تامًّا، وما تقارب منها تقاربًا جزئيًّا، دالًّا على الأوّل منهما بمصطلحات تدلّ على الترادف التامّ لديه، وهي (الأخ) ، و (بمعنى واحد) ، و (النظير) وغير ذلك، على حين استعان بوسائل مختلفة في التفريق بين معاني الألفاظ المتقاربة في الدلالة، كالرجوع إلى الأصل اللغويّ للّفظة، أو الاستعانة بما يربط بين