وكان أبو السعود كسابقيه من العلماء فلم غافل عن بيان معاني الحروف، والفروق الدلاليّة بينها باختلاف أنواعها، سواء كانت من حروف الجرّ أم من حروف العطف أم غير ذلك، وقد تبيّن ذلك فيما يأتي:
(1) - دلالة حرف الجرّ:
ويقابل هذه التسمية مصطلح حروف الإضافة لدى الكوفيّين [1] ، وبيّن أبو السعود المعاني الأصليّة لهذه الحروف ودلالاتها وأجاز تناوبها بعضها عن بعض، فمن حروف الجرّ الّتي توقّف عندها:
أ ـ (من) :
وتفيد معنى ابتداء الغاية [2] ، وقد ذكر أبو السعود هذا المعنى [3] ثمّ ذكر معاني أخر لهذا الحرف، وهي لديه من الدلالات المجازيّة الّتي يخرج إليها الحرف، ومن هذه المعاني:
1 ـ أنّه بمعنى (بعض) كالّذي جاء في قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ
السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ. (النحل:10) إذ قال:
إنّ (من) في الآية"تبعيضيّة مجازًا؛ لأنّه لمّا كان سقيه من"
الماء جعل كأنّه منه." [4] ، وقد ذهب إلى مثل ذلك غير واحد من"
المفسّرين [5] .
2ـ أنّه بمعنى البدل كما في قوله تعالى: {وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا.}
(آل عمران: من الآية10) والمعنى لديه"بدل رحمة الله أو بدل طاعته." [6] وقد نظر
(1) في النحو العربيّ نقد وتوجيه: الدكتور مهدي المخزوميّ 78.
(2) الكتاب 2/ 307، والاصول في النحو 1/ 498، والجنى الداني في حروف المعاني 314، ومغني اللبيب
1/ 419، وشرح اللمحة البدرية في علم اللغة العربية: ابن هشام 2/ 188.
(3) ينظر: إرشاد العقل السليم 5/ 100، و 7/ 286.
(4) إرشاد العقل السليم 5/ 100.
(5) ينظر: جامع البيان 6/ 93، وانوار التنزيل واسرار التأويل 7/ 95.
(6) إرشاد العقل السليم 2/ 10.