الصفحة 148 من 371

ومنهم من خصّص لذلك بابًا في كتابه، كأبي عبيد القاسم بن سلاّم

(ت 224 هـ) سمّاه (الأسماء المختلفة للشيء الواحد) [1] في مصنّفه (الغريب المصنّف) [2] . ونبه عليه ابن قتبة (ت276 هـ) وابن جني، وذلك حين عقد بابًا له في كتابه (الخصائص) بعنوان(باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول

والمباني)، ومثّل له بالخليقة والسجيّة والسليقة والغريزة قائلًا:"فالأصول مختلفة والأمثلة متعادية والمعاني مع ذينك متلاقية." [3] وقصد بـ (متعادية) متباينة ومختلفة بألفاظها ومتّفقة بمعانيها. وهناك من أفرد لهذه الظاهرة كتابًا مستقلاّ، كالرمّاني ... (ت 384 هـ) الّذي جعله بعنوان (الألفاظ المترادفة) [4]

وقد اختلفت مواقف العلماء في وقوع الترادف في اللغة بين مقرّين له و

ومنكرين له، وكان جلّهم ممّن اعترفوا بوجوده في كلام العرب، فأسرفت طائفة من هؤلاء المقرّين، فوضعوا مئات الألفاظ للمعنى الواحد على نحو ما كان لدى ابن خالويه الّذي جمع لـ (الأسد) خمس مئة اسم، وللحيّة مئتين وما إلى ذلك، الأمر الّذي أثار جدلًا بين اللغويّين، إذ روي أنّ ابن خالويه كان في مجلس سيف الدولة، فذكر أمام أبي عليّ الفارسيّ (ت 377 هـ) خمسين اسمًا للسيف، فقال له أبو عليّ: ما أحفظ له إلاّ اسمًا واحدًا، وهو السيف، فردّ ابن خالويه قائلا: فأين المهنّ‍د والصارم، وكذا وكذا، قال أبو عليّ: هذه صفات، وكأنّ الشيخ لا يفرّق بين الاسم والصفة [5] .

وقد نتج عن جدل اللغويّين في الترادف ومغالاة بعضهم فيه، ظهور عدد من العلماء ممّن اتسمت نظرتهم لهذه الظاهرة بالاعتدال، فلم يتوسّعوا فيها كغيرهم من المسرفين، وقد ذهبوا إلى ضرورة تقييدها بشروط للحدّ من كثرة المترادفات، فمن هؤلاء فخر الدين الرازي (ت 606 هـ) الّذي عرّف الألفاظ المترادفة بأنّها"الألفاظ المفردة الدالّة على شيء واحد باعتبار واحد." [6] فهو بذلك يذهب إلى محدوديّة الألفاظ المترادفة في اللغة، فقد فسّر الرازي قوله: (الألفاظ المفردة) و (وحدة الاعتبار) في حدّه للترادف ـ المذكور

(1) ينظر: غريب الحديث (ابن سلاّم) 286.

(2) ينظر: كشف الظنون 2/ 1207.

(3) الخصائص 2/ 115 ـ 120.

(4) هديّة العارفين 1/ 683، وينظر: علم الدلالة (عمر) 217.

(5) المزهر في علوم اللغة 1/ 4.5.

(6) المزهر في علوم اللغة 1/ 402، وينظر: إرشاد الفحول: الشوكاني 218.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت