ولمّا كان التعريف يستفاد منه في تحديد الدلالة، وبيان دقّة ما تشير إليه اللغة بسياقاتها المختلفة، فإنّ التنكير قد يأتي"تعميقًا يمنح البنية مقدرة على العطاء المتجدّد المتواصل الّذي يثري الدلالة متجاوزًا المتعارف عليه." [1] فمثلما ظهر وراء اختيار اللفظة معرّفة في القرآن الكريم دلالة معيّنة استوقفت أبا السعود، فقد استعمل القرآن ـ كذلك ـ ألفاظًا نكرات بدلالات متغايرة تطلّبها السياق القرآنيّ، والمعنى المراد منه، فمن هذه الدلالات ما يأتي:
1 ـ دلالة المبالغة والتهويل:
ومن أمثلتها ما جاء في قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ.} (المؤمنون:18) فحمل أبو السعود التنكير في ... (ذهاب) على معنى المبالغة إذ قال:"وفي تنكير (ذهاب) إيماء إلى كثرة طرقه ومبالغة في الإبعاد به، ولذلك جعل أبلغ من قوله تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ.} [2] " [3]
فدلّ التنكير في (ذهاب) على قدرة الله ـ عزّ وجلّ ـ البالغة في إذهاب المطر وإبعاده، فهو كما أنزله نعمة للناس تستوجب الشكر منهم قادر على إزالة هذه النعمة، فكان التنكير هنا أبلغ من التعريف؛ لأنّ الإبهام في مواطن خليق، وأنّ سلوك الإيضاح ليس بسلوك للطريق، خصوصًا في موارد الوعد والوعيد، والمدح والذمّ، اللذين من شأنهما التشييد." [4] والسياق في الآية يتحدّث في الوعد والوعيد، وبيان قدرته سبحانه على إماتة المخلوقات وبعثها ثانية، فالتنكير هنا كما وصفه الزمخشريّ"من أوقع النكرات وأحزّها للمفصل." [5] "
(1) البلاغة والأسلوبيّة: محمّد عبد المطّلب 260.
(2) الملك 30.
(3) إرشاد العقل السليم 6/ 128.
(4) البرهان الكاشف عن إعجاز القرآن 136.
(5) الكشّاف 3/ 183.