وأما المصادرُ الأخرى، وهم: عبد الله بن محمد الأنصاري، وأبو نُعيم، ومعن بن عيسى، والكلبي، فقد أفاد منها أيضًا، لكن بشكل أقل من المصادر الأساسية التي ذُكِرَتْ، وأفادَ منها بكثرةٍ في الطبقةِ التي تلي طَبَقَاتِ الصَّحابةِ والتابعينَ (4) .
ــــــــــــــــــــ
(1) انظر: الطبقات (3/ 6) .
(2) ويظهر ذلك بشكل أوضح عندما ذكر هؤلاء في أوّل المغازي (2/ 5) واقتصر عليهم، ثم قال: دخل حديثهم في حديث بعض (قالوا) : .... ثم ذكر خبر المغازي الطويل مقسمًا على العناوين التي وضعها.
(3) انظر: الطبقات (6/ 336، 349، 351، 359، 373) وَ (7/ 121، 216، 231، 233، 260، 261) وغيرها.
(4) قام الباحث محمد باقشيش في رسالته الدكتوراه"محمد بن سعد وكتابه الطبقات" (2/ 641 - 644) بإحصاء تلك المصادر، وخلص إلى أن ابن سعد اعتمد هؤلاء وغيرهم ممن لم يصرح باسمه بشكل أكبر في الطبقات التي تلي طبقة الصحابة والتابعين.
وَبَعْدَ هَذا الْمَدْخلِ، أُعَرِّفُ بتلكَ الْمَصَادِرِ الْمُصَرَّحِ بِهَا:
1 -مُحمد بن عُمر الوَاقدي (1) .
وهو من أَبْرزِ شُيوخِهِ، وإنْ كانَ استقرَّ الإِجماعُ على تَرْكِهِ (2) ، غير أنّهم أثنوا على عِلْمِهِ بالمغازي والسِّيرِ وأَخْبَارِ النَّاس ووفياتهم، ونحو ذلك - مّما اشْتُهِرَ بهِ الوَاقدي -، وفي ذلك يقول الخطيب البغدادي: (كَانَ عَالِمًَا بالمغازي واختلافِ النَّاسِ وَأَحَادِيثهم) (3) .
ويقولُ الذَّهبي: (كانَ إلى حفظهِ المنتهي في الأَخبارِ والسِّيرِ و الْمَغَازي والْحَوَادِثِ وأَيَامِ النّاسِ والفِقْهِ وغير ذلك) (4) .
والعلماءُ لم يهدروا عِلْمَ الواقدي جُمْلَةً، بل أَنصفوهُ فيما تَخَصَّصَ فيهِ، وأفنى عُمْرَهُ في جَمْعِهِ، حتى صَار فيهِ عُمْدَةً، فاستأنسوا بعلمهِ في ذلكَ من غَير احتجاجٍ، وميّزوا بين مَا هو أَخْبَارٌ وأنسابٌ وتَواريخٌ، وبين مَا هو أَحْكَامٌ شَرْعيَّةٌ، وفي ذلك يقول الإمام الذَّهبي: (جَمَعَ فَأوعَى، وَخَلَطَ الغَثَّ بالسَّمينِ، والخرزَ بالدرِّ الثَّمين، فاطَّرَحوه لِذَلكَ، وَمَعَ هَذا، فَلا يُسْتَغْنَى عنهُ في المغَازي وَأَيَامِ الصَّحَابةِ وَأَخْبَارِهم) (5) .
ويقول الحافظ ابن كثير - رَحِمَهُ اللهُ: (والواقدي عِنْدَهُ زياداتٌ حَسَنَةٌ، وَتَاريخٌ مُحَرَّرٌ غَالبًا، فإنَّهُ من أئمةِ هَذا الشَّأن الكِبَار، وهو صَدوقٌ في نفسِهِ مِكْثَار) (6) .