فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 83

وإنّ مما قرره الشرع أنّ المحافظة على منافع الخلق وفق مراد الشرع مصلحة، والشرع إنما (قصد بالتشريع إقامة المصالح الأخروية والدنيوية وذلك على وجه لا يختلّ لها به نظام لا بحسب الكل ولا بحسب الجزء، وسواء في ذلك ما كان من قبيل الضروريات أو الحاجيات أو التحسينيات. فإنها لو كانت موضوعةً بحيث يمكن أن يختلّ نظامها أو تختلّ أحكامها، لم يكن التشريع موضوعًا لها، إذ ليس كونها مصالح إذ ذاك بأولى من كونها مفاسد. لكنّ الشارع قاصد بها أن تكون مصالح على الإطلاق، فلا بد أن يكون وضعها على ذلك الوجه أبديًا وكليًا وعامًا في جميع أنواع التكليف والمكلفين وجميع الأحوال. وكذلك وجدنا الأمر فيها والحمد لله) . (الموافقات للشاطبي، 2/ 37) ، وهذا المعنى بعينه موجود في العمليات الإستشهادية، لأن القيام بها دفع لمضرة استيلاء الكفار على بلاد المسلمين ومن المعلوم أنّ دفع المضرة مصلحة، وأي مضرة هي أعظم من استيلاء الكفار على بلاد المسلمين واستباحتهم لبيضة الإسلام، وقد قضت الشريعة بوجوب إحراز مرتبة حفظ الدين وجعلها في أول سلم الكليات الخمس حتى وإن قضت الضرورة بالتضحية ببقية الكليات والتي هي دون حفظ الدين (فيجب المحافظة على مصلحة الدين وتقويم شرعته حتى وإن استلزم ذلك فوات ما دونها وهو مصلحة المحافظة على النفس، ومن أجل ذلك شرع الجهاد) . (ضوابط المصلحة في الشريعة الإسلامية، ص 57 (، فإذا كان الحفاظ على نفس المجاهد وعدم تعريضه للتلف والهلاك مصلحة، فإن الحفاظ على الإسلام أعظم مصلحة من الحفاظ على أرواح أفراد من مجموع الأمّة، فعند الموازنة بين المصلحتين نجد أنّ مصلحة الإسلام والأمّة كلها أولى من مصلحة فرد أو عدّة أفراد من مجموع الأمّة، فالضرورة قد تحمل المسلمين على القيام بالعمليات الإستشهادية للتضحية بمصلحة القائمين بهذه العمليات الإستشهادية في سبيل بقاء الدين وإنقاذ المسلمين. وهذا الذي عناه الأصوليون بحقيقة الضرورة فهم يقولون إنّ(نظرية الضرورة في حقيقتها تئول إلى توارد مصلحتين ومفسدتين على أمر واحد، وبين هاتين المصلحتين وهاتين المفسدتين تعارض، فنرجح أكبر المصلحتين فنحصلها، وأشد المفسدتين فندفعها) . (انظر: نظرية الضرورة الشرعية حدودها وضوابطها للأستاذ / جميل محمد بن مبارك، ص 204)

وإلى هذا المعنى أشار شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مجموع الفتاوى (28/ 540 (فقال: (وقد روى مسلم في صحيحه عن النبي صلى الله عليه وسلم قصة أصحاب الأخدود، وفيها:(( أنّ الغلام أمر بقتل نفسه لأجل مصلحة ظهور الدين ) )، ولهذا جوّز الأئمّة الأربعة أن ينغمس المسلم في صف الكفار، وإن غلب على ظنه أنهم يقتلونه، إذا كان في ذلك مصلحة للمسلمين). أهـ

وقد تقاس العمليات الإستشهادية بحالة تترس الكفار بالمسلمين، والفقهاء يقولون بالتضحية بالمسلمين المتترس بهم إذا لم يمكن التوصل إلى الكفار إلاّ بذلك وكان الكف عن قتل الكفار لأجل المتترس بهم من المسلمين يفضي إلى تعطيل الجهاد وانقطاعه لأنهم متى علموا ذلك يتترسون بالمسلمين عند خوفهم فينقطع الجهاد، أو كان الكف عن قتال الكفار لأجل المتترس بهم من المسلمين يؤدي إلى استيلاء الكفار ببلاد المسلمين أو تقوية شوكتهم أو استباحتهم لبيضة الإسلام، ففي هذه الحالة يجوز رمي الكفار مع وجود الترس البشري من المسلمين ولكن نقصد الكفار، ومن قتل من المسلمين المتترس بهم بالخطأ لأجل الجهاد في سبيل الله، كان شهيدًا - إن شاء الله تعالى - ويبعث يوم القيامة على نيته، ولم يكن قتله أعظم فسادًا من قتل المجاهدين في سبيل الله وإزهاق أنفسهم وهم يحرسون ثغور الإسلام ويمنعون الكفار من استباحة دار الإسلام. فإذا كانت الضرورة دفعتنا إلى التضحية بمصلحة الترس البشري من المسلمين في سبيل الله إعزازًا للدين وإنقاذًا لمجموع الأمّة الإسلامية، فكذلك يقال في العمليات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت