الإستشهادية، إذا كان لا يمكن التوصل إلى قتال الأعداء إلاّ بذلك، ففي مثل هذه الحالة تدعو الضرورة إلى القيام بالعمليات الإستشهادية ولا بأس بالتضحية بفرد أو عدة أفراد يقومون بعمليات استشهادية يضعون فيها مواد متفجرة في سياراتهم أو حقائبهم أو يحيطون أنفسهم بحزام صاعق متفجر ثم يقتحمون مواقع العدوّ وتجمعاته أو يستخدمون الطائرات المدنية كأهداف عسكرية يضربون بها المراكز الحيوية للعدوّ - كالحالة التي حصلت في أمريكا مثلًا - فيفجّرونها بتلك المواد الناسفة لقصد النكاية بالعدوّ أو القضاء عليه أو إرهابه أو إضعاف قوته أو غير ذلك من المقاصد الشرعية لقصد دفع الضرر الأكبر بالمسلمين إذا لم ينتدبوا لمواجهة الكفار. ومعلوم أنه في حالة المسلمين الذين تترس بهم الكفار جاز للمسلم أن يقتل غيره من المسلمين، مع أنّ قتل المسلم لغيره من المسلمين جريمة كبرى في الإسلام، وهو أعظم جرمًا من قتل المسلم لنفسه (لأنه إذا كان قاتل نفسه الذي لم يتعد ظلم نفسه ثبت فيه الوعيد الشديد فأولى من ظلم غيره بإفاتة نفسه) . (الفتح 3/ 227)
(فإذا كان ما هو أعظم جرمًا لا حرج في الإقدام عليه، لا بحكم استباحة قتل المسلم لغيره من المسلمين، وإنما بحكم الضرورة التي لا بد منها في حالة الحرب، تفاديًا لضرر أشد - فإنه ينبغي بطريق الأولى أن لا يكون هناك حرج في الإقدام على ما هو أقلّ جرمًا، لا بحكم استباحة الانتحار، أو قتل المسلم لنفسه، وإنما بحكم الضرورة التي لا بد منها في حالة الحرب - تفاديًا لضرر أشد) . (القتال والجهاد في السياسة الشرعية، د/ محمد خير هيكل، 2/ 1402 - 1403 (
ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله تعالى - في مجموع الفتاوى (28/ 540) : (فإذا كان الرجل يفعل ما يعتقد أنه يقتل به لأجل مصلحة الجهاد، مع أنّ قتله نفسه أعظم من قتله لغيره؛ كان ما يفضي إلى قتل غيره لأجل مصلحة الدين التي لا تحصل إلاّ بذلك، ودفع ضرر العدوّ المفسد للدين والدنيا الذي لا يندفع إلاّ بذلك أولى) . أهـ
فإن قيل: إنّ المقتحم لصف العدوّ والمنغمس فيه يقتل بيد العدوّ، بخلاف الذي يقوم بالعمليات الإستشهادية فإنه يقتل بفعله. فيقال: قد علم في الشرع أنّ المشارك والمتسبب في قتل النفس التي حرمها الله حكمهما كحكم المباشر لقتلها. فمن حبس رجلًا وقتله آخر فقال عطاء: يقتل القاتل ويحبس الحابس حتى يموت. ومن حبس إنسانًا ومنع عنه الطعام والشراب حتى يموت جوعًا أو حفر له بئرًا ليقع فيها، فوقع فيها فمات أو قدمه لحيوان مفترس أنه يقتل أو أمسك رجل رجلًا فقتله آخر فإنهما يقتلان لأنهما اشتركا في قتله. وهذا مذهب الليث ومالك والنخعي. وأما الشافعية والأحناف فذهبوا إلى أنّ القاتل المباشر للقتل يقتل وأما الممسك فيحبس حتى يموت جزاءً لإمساكه المقتول. وإليه ذهب أبو ثور والنعمان واختاره ابن المنذر، وهو قول أكثر أهل العلم. وذهب الجمهور مالك والشافعي وأحمد إلى وجوب القصاص على المتسبب في القتل عمدًا وخالفه في ذلك أبو حنيفة ومحمد بن الحسن فقالوا: لا يقتل ولا يقتص منه وأوجبوا على عاقلته الدية ولا معنى لهذا القول. وقول الجمهور أقوى حجةً وأظهر دلالة، وهو مذهب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما رواه مالك في الموطأ: أنّ عمر بن الخطاب رضي الله عنه قتل نفرًا برجل واحد قتلوه قتل غِيلة، وقال: (( لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعًا ) ).
قلت: والغِيلة بالكسر الاغتيال يقال: قتله غِيلة، وهو أن يخدعه فيذهب به إلى موضع فيقتله فيه. وتمالأ القوم: أي تعاونوا واجتمعوا.