علم أنه لا نكاية لهجومه على الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف أو العاجز، فذلك حرام، وداخل تحت عموم آية التهلكة، وإنما جاز له الإقدام إذا علم أنه لا يقتل حتى يقتل، أو علم أنه يكسر قلوب الكفار بمشاهدتهم جرأته، واعتقادهم في سائر المسلمين قلة المبالاة، وحبهم للشهادة في سبيل الله فتكسر بذلك شوكتهم. أهـ
وقال الرافعي والنووي وغيرهما: التغرير بالنفس في الجهاد جائز، ونقل في شرح مسلم الاتفاق عليه، ذكره في غزوة ذي قرد، وقال في قصة عمير بن الحمام حين أخرج التمرات من قرنه، فجعل يأكل منهن ثم قال: إن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنها لحياة طويلة، فرمى بما كان معه من التمر ثم قاتل حتى قتل. قال النووي: فيه جواز الانغماس في الكفار والتعرض للشهادة، وهو جائز لا كراهة فيه عند جماهير العلماء. أهـ
وقال البيهقي في سننه: باب من تبرّع بالتعرض للقتل:
958 -قال الشافعي رحمه الله تعالى: قد بورز بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم وحمل رجل من الأنصار حاسرًا على جماعة المشركين يوم بدر بعد إعلام النبي صلى الله عليه وسلم إياه بما في ذلك من الخير فقتل. قال البيهقي: هو عوف بن عفراء، ذكره ابن إسحاق ثم ذكر في الباب قصة عمير بن الحمام وأنس بن النضر وغير ذلك.
وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: اختلف العلماء في اقتحام الرجل في الحرب وحمله على العدوّ وحده، فقال القاسم بن مخيمرة والقاسم بن محمد وعبد الملك من علمائنا: لا بأس أن يحمل الرجل وحده على الجيش العظيم، إذا كان فيه قوة وكان لله بنية خالصة، فإن لم تكن له قوة فذلك من التهلكة، وقيل: إذا طلب الشهادة وخلصت النية فليحمل، لأن مقصوده واحد منهم، وذلك بين في قوله تعالى: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللهِ) [البقرة: 207] .
وقال ابن خويزمنداد: فأما أن يحمل الرجل على مائة أو على جملة العسكر أو جماعة اللصوص والمحاربين والخوارج، فلذلك حالتان: إن علم وغلب على ظنه أنه سيقتل من حمل عليه وينجو فحسن، وكذلك لو علم وغلب على ظنه أنه يقتل ولكن سينكي نكاية أو يؤثر أثرًا ينتفع به المسلمون فجائز أيضًا، ولما تحصنت بنو حنيفة بالحديقة، قال رجل من المسلمين: ضعوني في الجحفة وألقوني إليهم ففعلوا، فقاتلهم وحده وفتح الباب.
959 -قال القرطبي: ومن هذا: ما روي أنّ رجلًا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أريت إن قتلت في سبيل الله صابرًا محتسبًا؟ قال: (( فلك الجنة ) )، فانغمس في العدوّ حتى قتل.
960 -وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار، ورجلين من قريش، فلما رهقوه قال: (( من يردّهم عنا وله الجنة أو هو رفيقي في الجنة؟ ) )فتقدم رجل من الأنصار فقاتل حتى قتل، فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة، فقال النبي صلى الهه عليه وسلم: (( ما أنصفنا أصحابنا ) )، هكذا الرواية: (( أنصفنا أصحابنا ) )، وروي بفتح الفاء ورفع الباء، ويرجع إلى من فرّ عنه من أصحابه.
وقال محمد بن الحسن: لو حمل رجل واحد على ألف رجل من المشركين، وهو وحده لم يكن بذلك بأس، إذا كان يطمع في نجاة أو نكاية في العدوّ، فإن لم يكن كذلك فهو مكروه، لأنه عرض نفسه