المطلب الثاني: بعض الملاحظات في الكتاب:
من دأب البشر, وسماته أن يَهِمَ, ويخطئ مهما بلغ من العلم, فالإمام الإسنوي - رحمه الله - مع تبحره, ودقة نظره ونقله فقد ظهر لي من خلال عملي في الكتاب بعض أوهام قليلة جدا, لعل بعضها من عمل النساخ, وبعضها لا يستحق الذكر, فيَهِمُ أحيانا في عزو الحديث إلى الصحابي, وأحيانا في تخريج الحديث, وأخرى في أسماء الرواة, وإليك ما وقفتُ عليه من ذلك:
1.قال في كلامه في استحباب الإبراد بالظهر في شدة الحر: (( تنبيه: تعبيره بالظهر للاحتراز عن شيئين: أحدهما: الجمعة فإنه لا يستحب فيها الإبراد في أظهر الوجهين .... ) )إلى أن قال: (( وقيل: يستحب؛ لما رواه البخاريُّ عن ابن عباس أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يبرد بالجمعة ) )اهـ [1] .
وهذا الحديث لم يروه البخاريّ عن ابن عبَّاس, بل رواه عن أنس بن مالك, قال أنس - رضي الله عنه: (( كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إذا اشتدَّ البردُ بكَّر بالصلاة, وإذا اشتدَّ الحرُّ أبرد بالصلاة يعني الجمعة ) ) [2] .
ولم أقف على قول أحد من أهل العلم نسبه إلى ابن عباس إلا الدميري في (( النَّجم الوهَّاج ) ) [3] , ولعله تابع الإسنوي في ذلك؛ لأنه تلميذه, ويتابعه غالبا في كتابه.
2.قال في استدلاله في أفضلية تأخير العشاء: (( ... لما رواه الشَّيخان عن جابر بن سمرة قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يَسْتحِبُّ أن يُؤَخِّر العشاء ) )اهـ [4] .
ولكن الحديث رواه الشيخان من حديث أبي برزة الأسلمي, واللفظ للبخاري [5] .
(1) كافي المحتاج ص 216.
(2) صحيح البخاريّ كتاب الجمعة, بابٌ: إذا اشتد الحرُّ يوم الجمعة 1/ 287 رقم (906) , وانظر: فتح الباري 2/ 500.
(4) كافي المحتاج ص 213.
(5) رواه البخاريّ في كتاب مواقيت الصَّلاة, باب وقت العصر 1/ 189 رقم (547) , ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة, باب استحباب التبكير بالصبح في أول وقتها 1/ 447 رقم (647) , واللفظ للبخاري.