فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - خَبَرَ مَا رَأَى . فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِى نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى - صلى الله عليه وسلم - يَا لَيْتَنِى فِيهَا جَذَعًا ، لَيْتَنِى أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - « أَوَمُخْرِجِىَّ هُمْ » . قَالَ نَعَمْ ، لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلاَّ عُودِىَ ، وَإِنْ يُدْرِكْنِى يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا . ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّىَ وَفَتَرَ الْوَحْىُ ."البخاري [1] ."
فمَن كان من ورثة الأنبياء .. ويسير على منهج الأنبياء لا بد من أن يتعرض لما تعرَّض له الأنبياء من عداء مِلل الباطل كلها [2] .
أما من أراد أن يسير على منهج الأنبياء .. ويكون صادقًا وموفقًا في مسيره .. ثم هو مع ذلك لا يريد أن يُبتلَى أو أن يكون له أعداء .. فهذا يحلم بالمستحيل .. وهو مثله مثل من أراد أن يجمع بين الشيء وضده معا!
وكذلك لما أراد أهل المدينة مبايعة النبي - صلى الله عليه وسلم - في العقبة الثانية .. أستوقفهم سعد بن زرارة - رضي الله عنه - ليذكرهم خطورة ما هم قادمين عليه، فعَنْ جَابِرٍ ، قَالَ: مَكَثَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِمَكَّةَ سَبْعَ سِنِينَ ، يَتَتَبَّعُ النَّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ بِعُكَاظَ وَمَجَنَّةَ وَالْمَوَاسِمِ بِمِنًى ، يَقُولُ: مَنْ يُؤْوِينِي وَيَنْصُرَنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالاَتِ رَبِّي ؟ حَتَّى إِنَّ الرَّجُلَ لِيَخْرُجُ مِنَ الْيَمَنِ أَوْ مِنْ مِصْرَ فَيَأْتِيهُ قَوْمُهُ ، فَيَقُولُونَ: احْذَرْ غُلاَمَ قُرَيْشٍ ، لاَ يَفْتِنُكَ. وَيَمْشِي بَيْنَ رِحَالِهِمْ وَهُمْ يُشِيرُونَ إِلَيْهِ بِالأَصَابِعِ ، حَتَّى بَعَثَنَا اللَّهُ مِنْ يَثْرِبَ ، فَآوَيْنَاهُ وَصَدَّقْنَاهُ ،فَيَخْرُجُ الرَّجُلُ مِنَّا وَيُؤْمِنُ بِهِ
(1) - صحيح البخارى- المكنز - (3 )
المؤزر: القوى -جذعا: شابا فتيا -يتحنث: يتعبد -الروع: الفزع -زمل: لف وغطى -زمل: لف وغطى -المعدوم: الشىء المعدوم الذى لا يجدونه أو الفقير الذى صار كالمعدوم -فتر: انقطع -تقرى: تكرم الضيف وتقوم بحق ضيافته -تكسب: تعطى المال للفقير -الكل: أصله الثقل ويدخل في حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال -الناموس: الوحى
(2) -كثير هم الذين يفهمون حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -:"العلماء ورثة الأنبياء"فهمًا خاطئًا .. حيث تراهم يحصرون الحديث في وراثة العلم .. وحفظ المتون .. من دون مراعاة للعمل ..!
والحقُّ أن العلماء ورثة الأنبياء في العلم والعمل .. ورثة الأنبياء في الجهاد والتضحية، والصدع بالحق .. والصبر على البلاء .. ورثة الأنبياء في الخشية والتقوى .. ورثة الأنبياء في أخلاقهم وكل ما يصدر عنهم من مواقف وأعمال .. فهذا هو الوارث الحقيقي .. وهكذا ينبغي أن يُفهم الحديث .. وعلى هذا المعنى والتفسير ينبغي أن يُحمل!