المبحث الرابع
من أصحاب هذه الطائفة المنصورة ؟
قال الإمام النووي رحمه الله:
"وَأَمَّا هَذِهِ الطَّائِفَة فَقَالَ الْبُخَارِيّ: هُمْ أَهْل الْعِلْم ، وَقَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: إِنْ لَمْ يَكُونُوا أَهْل الْحَدِيث فَلَا أَدْرِي مَنْ هُمْ ؟ قَالَ الْقَاضِي عِيَاض: إِنَّمَا أَرَادَ أَحْمَد أَهْل السُّنَّة وَالْجَمَاعَة ، وَمَنْ يَعْتَقِد مَذْهَب أَهْل الْحَدِيث ، قُلْت: وَيَحْتَمِل أَنَّ هَذِهِ الطَّائِفَة مُفَرَّقَة بَيْن أَنْوَاع الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُمْ شُجْعَان مُقَاتِلُونَ ، وَمِنْهُمْ فُقَهَاء ، وَمِنْهُمْ مُحَدِّثُونَ ، وَمِنْهُمْ زُهَّاد وَآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَنَاهُونَ عَنِ الْمُنْكَر ، وَمِنْهُمْ أَهْل أَنْوَاع أُخْرَى مِنَ الْخَيْر ، وَلَا يَلْزَم أَنْ يَكُونُوا مُجْتَمَعِينَ بَلْ قَدْ يَكُونُونَ مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَار الْأَرْض . وَفِي هَذَا الْحَدِيث مُعْجِزَة ظَاهِرَة ؛ فَإِنَّ هَذَا الْوَصْف مَا زَالَ بِحَمْدِ اللَّه تَعَالَى مِنْ زَمَن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْآن ، وَلَا يَزَال حَتَّى يَأْتِي أَمْر اللَّه الْمَذْكُور فِي الْحَدِيث . وَفِيهِ دَلِيل لِكَوْنِ الْإِجْمَاع حُجَّة ، وَهُوَ أَصَحّ مَا اُسْتُدِلَّ بِهِ لَهُ مِنْ الْحَدِيث ، وَأَمَّا حَدِيث"لَا تَجْتَمِع أُمَّتِي عَلَى ضَلَالَة"فَضَعِيف . وَاللَّهُ أَعْلَم ." [1] .
وفي البدر المنير:
"فامتثلت الصَّحَابَة حينئذٍ - الَّذين هم خير قُرُون هَذِه الْأمة ، بِشَهَادَتِهِ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام - فحفظوا عَنهُ أَحْوَاله (وأقواله) وأفعاله ، امتثالًا لأَمره ، وابتغاء ثَوَابه وأَجره ."
ثمَّ فعل ذَلِكَ بعدهمْ التابعون وتابعوهم ، قبيلًا بعد قبيل ، وجِيلًا بعد جيل ، تلقوا ذَلِكَ عَنْهُم ، واستفادوه مِنْهُم - رَضِيَ اللَّهُ عَنَّا وعنهم .
لَكِن دخل فِي ذَلِكَ قوم لَيْسُوا من أهل هَذَا الشَّأْن ، وَلَا جَرْيَ لَهُم فِي هَذَا الميدان ، فأخطئوا فِيمَا نقلوا وحَرَّفوا ، وَرُبمَا وضعُوا ، فَدخلت الآفة من هَذَا الْوَجْه ، وَاخْتَلَطَ الصَّحِيح بالسقيم ، والمجروح بالسليم ، فَحِينَئِذٍ أَقَامَ الله سُبْحَانَهُ - وَله الْحَمد والمِنَّة - طَائِفَة كَبِيرَة من هَذِه الْأمة ، هم نُجُوم للدِّين وعَلَمٌ للمسترشدين ، فدوَّنوا التصانيف
(1) -شرح النووي على مسلم - (ج 6 / ص 400)