(المبتكرة) ، المبسوطة والمختصرة ، ونظروا فِي رجالها - جرحا وتعديلًا ، وانقطاعًا ووصلًا - بِالنّظرِ التَّام ، وبذلوا وسعهم فِي ذَلِكَ ، وَقَامُوا بِهِ أحسن قيام ، أعظم الله أَجرهم ، وَلَا خَيَّب سعينا وسعيهم .
وهم (مستمرون) عَلَى ذَلِكَ مدى الدهور والأعوام ، من زَمَنه عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام إِلَى انْقِضَاء الدُّنْيَا والذهاب ، بإخباره عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام حَيْثُ قَالَ: «لَا تَزَالُ طائفةٌ من أُمَّتي ظاهِرينَ عَلَى الحقِّ ، لَا يَضُرُّهُم مَنْ خَذَلَهُم ، حتَّى تَقُومَ السَّاعةُ» .
فَكَانَت هَذِه الطَّائِفَة كَمَا وَصفهم عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام فِي الْخَبَر الْمَرْوِيّ عَنهُ ، (مُرْسلا من جِهَة إِبْرَاهِيم بن عبد الرَّحْمَن العذري) ، وَمُسْندًا من جِهَة أبي هُرَيْرَة ، وَعبد الله بن عَمْرو - كَمَا رَوَاهُمَا الْعقيلِيّ .قَالَ عبد الْحق: وَالْأول أحسن . ونَازَعَه ابْن الْقطَّان ، وَفِيه وَقْفَة ، فقد سُئل أَحْمد عَنهُ ، فَقَالَ صَحِيح: «يَحْمِلُ هَذَا العِلْم مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُه ، يَنْفُون عَنْه تَحْرِيف الغالين ، وانْتِحَالَ المُبْطِلِيْن ، وَتَأْوِيل الجاهِلِيْن» .
وَمَنَّ الله - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَله الْحَمد والمِنَّة - عَلَى هَذِه الطَّائِفَة بِالْحِفْظِ الوافر ، كالبحر الزاخر" [1] ."
وقال الحافظ ابن حجر:
"وقال ابن المبارك في حديث:"لا تزال طائفة من أمتي على أمر اللَّه..."الحديث:"هم عندي أصحاب الحديث"."
وقد صدق هؤلاء فيما قالوه: إن أصحاب الحديث خير الناس وكيف لا يكونون كذلك، وقد نبذوا الدنيا بأسرها وراءهم، وجعلوا غذاءهم الكتابة وسحرهم المعارضة، واسترواحهم المذاكرة، وخلوقهم"أي طيبهم الذي يتطيبون به"المداد، ونومهم السهاد يصطلون الضياء، ويتوسدون الحصى، الشدة عندهم مع علو الإسناد رخاء، أولئك هم العلماء الحكماء، كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء." [2] "
(1) - البدر المنير - (ج 1 / ص 257)
(2) - التلخيص الحبير - (ج 1 / ص 14)