إنَّ اللهَ سبحانَه وتعالى خلقَ الخلق لعبادته واتّباعِ شريعته, ولم يتركهم هملًا؛ بل أرسل إليهم رسلًا يدعونهم إليه, ويدلونهم عليه, فانقسم العبادُ إلى فريقين؛ فريقٍ هداهُ الله بفضله ورحمته, وفريقٍ أضلّهُ اللهُ بعلمه وعدله. ومضى قدرُ الله وجرت سنته أن يقع التدافع والصراع بين هاتين الفريفين؛ الحقِّ وأنصاره, والباطلِ وأعوانه, وذلك على مر العصور, وكرِّ الدهور, وإلى أن يرث اللهُ الأرضَ ومن عليها, {سُنَّةَ اللَّهِ فِي الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلُ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا} (62) سورة الأحزاب ، وذلك أن الحقَّ والباطل ضدان لا يجتمعان أبدًا, فوجودُ أحدِهما على أرض الواقع يستلزم -ولا بد- محوَ الآخر أو إضعافه, بتجريده من الأسس التي يرتكزُ عليها, والمبادئِ التي قيامه بها. فلا يتصور في ميدان الواقع أن يتعايشَ الحق والباطل معًا على أرضٍ واحدة من دون غلبة لأحدهما على الآخر, أو سعيٍ لتحقيق هذه الغلبة. ولو فُرضَ أن الحق استكان حقبة من الزمن, وأحجَمَ عن مزاحمة الباطل ومدافعته؛ فإن الباطل لن يقابل هذه الاستكانةَ إلا بصولةٍ يستعلي بها على الحق وأهله, يروم من خلالها النيلَ منهم والقضاءَ عليهم, أو على الأقل تجريدهم من أهم ما يميزهم عن الباطل وأهله, عبر سلسلةٍ من التنازلات والتي لا تبقي لهم من الحق غير اسمه, ومن منهجه غير رسمه؛ ليغدو في نهاية المطاف جزءًا من مملكة الباطل, وذيلًا من أذياله, و بئست النهاية.
والقرآنُ الكريم يزخر بالآيات التي تُقررُ هذه الحقيقة وتأصِّلها. يقول الله سبحانه وتعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُم مِّنْ أَرْضِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ} (13) سورة إبراهيم.
إنها حقيقةُ المعركة بين الحق والباطل, حقيقةٌ ثابتة مستقرة, لا تتغير بتغير الزمان, ولا تتبدل بتبدلِ المكان, فليس لأهل الأيمان من الرسل وأتباعهم عند ملل الكفر قاطبة إلا أحدُ سبيلين؛ إمّا أن يُخْلُوا لهم الأرض بالقتلِ والتصفية والتشريدِ والطرد والإبعاد؛ ليعيثوا فيها