ويرهبه كل باغ ، ويكرهه كل مفسد. إنه حرب بذاته وبما فيه من حق أبلج ، ومن منهج قويم ، ومن نظام سليم .. إنه بهذا كله حرب على الباطل والبغي والفساد. ومن ثم لا يطيقه المبطلون البغاة المفسدون.وتتنوع وسائل قتال هؤلاء الأعداء للمسلمين وأدواته ، ولكن الهدف يظل ثابتا .. أن يردوا المسلمين الصادقين عن دينهم إن استطاعوا. وكلما انكسر في يدهم سلاح انتضوا سلاحا غيره ، وكلما كلت في أيديهم أداة شحذوا أداة غيرها .. والخبر الصادق من العليم الخبير قائم يحذر الجماعة المسلمة من الاستسلام ، وينبهها إلى الخطر ويدعوها إلى الصبر على الكيد ، والصبر على الحرب [1]
وقال تعالى: {وَلاَ تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا} (104) سورة النساء.
وحيث لا يزال المؤمنون هنا في مواقع الجهاد ، فقد جاء قول اللّه تعالى: « وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغاءِ الْقَوْمِ » دعوة من اللّه ، تستحثّ عزائم المسلمين ، وتوقظ مشاعرهم للجهاد في سبيل اللّه ، بعد أن طال وقوفهم في هذا المقام ، وما واجهوا فيه من شدائد وأهوال .. وابتغاء القوم: هو طلبهم ، ولقاؤهم في ميدان القتال .. والوهن الضعف ، أي ولا تضعفوا ولا تفتروا في طلب العدو الذي يطلبكم للقتال.ونعم .. إن أعباء الجهاد ثقيلة ، ولكنها على نفس المؤمن أخفّ وأهون مما هى على غير المؤمنين ..
فالكافرون يجدون من أهوال الحرب ، وشدائدها ما يجد المؤمنون ، ولكن المؤمنين يستعذبون هذا المورد ، الذي يفتح لهم طريق الرحمة ، وينزلهم عند اللّه منازل الرضوان .. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: « إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَما تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ ما لا يَرْجُونَ » .
فالمؤمنون في قتالهم العدو يقاتلون وهم على شعور بأنهم إن كتب لهم النصر رجعوا بالسلامة والغنيمة ، وإن كتب لهم الاستشهاد ظفروا بما عند اللّه للشهداء من رضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم .. إنها إحدى الحسنيين للمجاهدين: النصر أو الاستشهاد .. وليس للعدو إلّا واحدة منهما .. وهى النصر ، أو الموت على الكفر! وقد يقال: إن
(1) - في ظلال القرآن ـ موافقا للمطبوع - (1 / 227)