الأُمَّةِ تُجَاهِدُ عَلَى كِتَابِهِ وَحَقِّهِ . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّهُ بَايَعَهُ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ اثْنَانِ وَسَبْعُونَ رَجُلًا مِنَ الأَنْصَارِ ، ذُكِرَ لَنَا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ: هَلْ تَدْرُونَ عَلاَمَ تُبَايِعُونَ هَذَا الرَّجُلَ ؟ إِنَّكُمْ تُبَايِعُونَ عَلَى مُحَارَبَةِ الْعَرَبِ كُلِّهَا أَوْ يُسْلِمُوا . وَذُكِرَ لَنَا أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ اشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَلِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ ، قَالَ: أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ ، وَلاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِيَ مِمَّا مَنَعْتُمْ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ . قَالُوا: فَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ ، فَمَا لَنَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؟ قَالَ: لَكُمُ النَّصْرُ فِي الدُّنْيَا ، وَالْجَنَّةُ فِي الآخِرَةِ . فَفَعَلُوا ، فَفَعَلَ اللَّهُ. [1]
«ولقد كان هؤلاء الذين يبايعون رسول اللّه هذه البيعة ولا يرتقبون من ورائها شيئا إلا الجنة ويوثقون هذا البيع ، فيعلنون أنهم لا يقبلون أن يرجعوا فيه ولا أن يرجع فيه رسول اللّه - صلى الله عليه وسلم - ! يعلمون أنهم لا يبايعون على أمر هين بل كانوا مستيقنين أن قريشا وراءهم ، وأن العرب كلها سترميهم وأنهم لن يعيشوا في سلام مع الجاهلية الضاربة الأطناب من حولهم في الجزيرة ، وبين ظهرانيهم في المدينة» «فقد كان الأنصار إذن يعلمون - عن يقين واضح - تكاليف هذه البيعة وكانوا يعلمون أنهم لم يوعدوا على هذه التكاليف شيئا في هذه الحياة الدنيا - حتى ولا النصر والغلبة - وأنهم لم يوعدوا عليها إلا الجنة .. ثم كان هذا مدى وعيهم بها ومدى حرصهم عليها .. فلا جرم أن يكونوا - مع السابقين من المهاجرين الذين بنوا هذا البناء وأعدوا هذا الإعداد - هم القاعدة الصلبة للمجتمع المسلم أول العهد بالمدينة ..
«ولكن مجتمع المدينة لم يظل بهذا الخلوص والنقاء .. لقد ظهر الإسلام وفشا في المدينة واضطر أفراد كثيرون - ومعظمهم من ذوي المكانة في قومهم - أن يجاروا قومهم احتفاظا بمكانتهم فيهم .. حتى إذا كانت وقعة بدر قال كبير هؤلاء: عبد اللّه بن أبي بن سلول: هذا أمر قد توجه! وأظهر الإسلام نفاقا. ولا بد أن كثيرين قد جرفتهم الموجة فدخلوا في الإسلام تقليدا - ولو لم يكونوا منافقين - ولكنهم لم يكونوا بعد قد فقهوا في الإسلام ولا انطبعوا بطابعه .. مما أنشأ تخلخلا في بناء المجتمع المدني ، ناشئا عن اختلاف مستوياته الإيمانية.
(1) - تفسير الطبري 310 (دار هجر) - (22 / 620) (34376) صحيح مرسل