ولكن كثيرًا من المجترئين على الفتوى لا يفهم هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد ، والمهم عندهم أن يظهروا أمام العامة بمختلف الوسائل ليشار إليهم بالبنان ، فيجيبوا عن كل مسألة توجه لهم ولا يعرفون قول ( لا أدري ) ، لأنهم يعتبرون ذلك عارًا وشنارًا
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل لأن الناس يصفونهم بالجهل إن فعلوا ذلك ، وما دروا أن سلفنا الصالح كانوا يحرصون على قول لا أدري ، كحرص هؤلاء المتعالمين على الإجابة ، وقديمًا قال العلماء:"لا أدري نصف العلم"، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى ، قَالَ:"أَدْرَكْتُ عِشْرِينَ وَمِائَةً مِنَ الْأَنْصَارِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يُسْأَلُ أَحَدُهُمْ عَنِ الْمَسْأَلَةِ فَيَرُدُّهَا إِلَى هَذَا ، وَهَذَا إِلَى هَذَا حَتَّى تَرْجِعَ إِلَى الْأَوَّلِ" [1] .
وقال ابن عباس:"إذا أخطأ العالم ( لا أدري ) أصيبت مقاتله" [2] .
فلا ينبغي لأحد أن يقتحم حمى الفتوى ولما يتأهل لذلك ، وقد قرر أهل العلم أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتيا فقال له بعضهم يومًا: أجعلت محتسبًا على الفتوى ؟
(1) - الْمَدْخَلُ إِلَى السُّنَنِ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ (655 )
(2) - الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي (1107 )