فهرس الكتاب
فإذا كانت هذه الصورة البشعة في غيبة المسلم تجاه أخيه، فكيف بالطالب يغتاب معلمه الذي علمه ورباه ووجه للخير والصلاح والفلاح.
وتزيد حرمة غيبة المعلم لأن غيبته وسيلة للطعن في العلم الذي يلقنه لطالبه وخاصة إذا كان من العلوم الشرعية،وبالتالي يكون وسيلة للطعن في دين الله، والعياذ بالله. يقول الإمام ابن القيم رحمه الله:"لَمَّا كَانَتِ الْمَقَاصِدُ لَا يُتَوَصَّلُ إلَيْهَا إلَّا بِأَسْبَابٍ وَطُرُقٍ تُفْضِي إلَيْهَا كَانَتْ طُرُقُهَا وَأَسْبَابُهَا تَابِعَةً لَهَا مُعْتَبَرَةً بِهَا،فَوَسَائِلُ الْمُحَرَّمَاتِ وَالْمَعَاصِي فِي كَرَاهَتِهَا وَالْمَنْعِ مِنْهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَاتِهَا وَارْتِبَاطَاتِهَا بِهَا،وَوَسَائِلُ الطَّاعَاتِ وَالْقُرُبَاتِ فِي مَحَبَّتِهَا وَالْإِذْنِ فِيهَا بِحَسَبِ إفْضَائِهَا إلَى غَايَتِهَا ؛فَوَسِيلَةُ الْمَقْصُودِ تَابِعَةٌ لِلْمَقْصُودِ،وَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ،لَكِنَّهُ مَقْصُودٌ قَصْدَ الْغَايَاتِ،وَهِيَ مَقْصُودَةٌ قَصْدَ الْوَسَائِلِ ؛فَإِذَا حَرَّمَ الرَّبُّ تَعَالَى شَيْئًا وَلَهُ طُرُقٌ وَوَسَائِلُ تُفْضِي إلَيْهِ فَإِنَّهُ يُحَرِّمُهَا وَيَمْنَعُ مِنْهَا،تَحْقِيقًا لِتَحْرِيمِهِ،وَتَثْبِيتًا لَهُ،وَمَنْعًا أَنْ يُقْرَبَ حِمَاهُ،وَلَوْ أَبَاحَ الْوَسَائِلَ وَالذَّرَائِعَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهِ لَكَانَ ذَلِكَ نَقْضًا لِلتَّحْرِيمِ،وَإِغْرَاءً لِلنُّفُوسِ بِهِ،وَحِكْمَتُهُ تَعَالَى وَعِلْمُهُ يَأْبَى ذَلِكَ كُلَّ الْإِبَاءِ،بَلْ سِيَاسَةُ مُلُوكِ الدُّنْيَا تَأْبَى ذَلِكَ؛فَإِنَّ أَحَدَهُمْ إذَا مَنَعَ جُنْدَهُ أَوْ رَعِيَّتَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ أَبَاحَ لَهُمْ الطُّرُقَ وَالْأَسْبَابَ وَالذَّرَائِعَ الْمُوَصِّلَةَ إلَيْهِ لَعُدَّ مُتَنَاقِضًا،وَلَحَصَلَ مِنْ رَعِيَّتِهِ وَجُنْدِهِ ضِدُّ مَقْصُودِهِ ."
وَكَذَلِكَ الْأَطِبَّاءُ إذَا أَرَادُوا حَسْمَ الدَّاءِ مَنَعُوا صَاحِبَهُ مِنَ الطُّرُقِ وَالذَّرَائِعِ الْمُوَصِّلَةِ إلَيْهِ،وَإِلَّا فَسَدَ عَلَيْهِمْ مَا يَرُومُونَ إصْلَاحَهُ ." [1] "
ومن الواجب على الطالب أيضًا الاعتراف بفضل معلمه، والدعاء له، ونشر محاسنه [2] . لأن المعلم له فضل عظيم وحق كبير، يكفي من ذلك أنه تعلم على يديه كيف يقرأ ويكتب، ووجهه للخير والهدى، وحرص على كل ما ينفع طالبه في دينه ودنياه.
وفضل المعلم على الطالب أعظم من فضل الأب عليه، كما اعترف بذلك بعض النجباء الأذكياء حيث يقول [3] :
(1) - إعلام الموقعين عن رب العالمين - (3 / 342)
(2) -إرشاد الطلاب (82) .
(3) - المصدر السابق (82-83) .