ومهما بالغنا في إقناع الناس بوجوب التفريق بين ما يقوله العالم وبين ما يمارسه، فلن يجدي ذلك نفعًا، فصورة الفعل تعلق بالنفوس والعقول أكثر من رنين القول، أرأيتم كم يكون أثر الطبيب المُدخن أو المخمور سيئًا على الناس، فكذلك ـ بل أشد ـ أثر العالم أو المعلِّم المتساهل، فذاك معالج الأبدان وهذا معالج القلوب والنفوس، وقد رُوي عن علي رضي الله عنه قوله: قصم ظهري رجلان؛ جاهل متنسك، وعالم متهتك، ذاك يغرُّهم بتنسكه، وهذا يُضلُّهم بتهتّكه [1] .
فمما ينبغي العناية به الحالة التي يظهر عليها المعلم أمام طلابه، فالمعلم الرسالي يهتم بحسن سمته، وجمال مظهره، من نظافةٍ وتأنقٍ وتناسقٍ وطيب رائحة، بعيدًا عن الإسراف وملتزمًا حد الاعتدال، فذلك أدعى للقبول والتقدير له، فعَنْ عَبْدِ اللهِ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ:"لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ ، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ مَنْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ"، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، الرَّجُلُ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا، وَنَعْلُهُ حَسَنًا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ:"إِنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ، الْكِبْرُ مَنْ بَطِرَ الْحَقَّ، وَغَمَطَ النَّاسِ" [2]
وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنِ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِى قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ » . قَالَ رَجُلٌ إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً. قَالَ « إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ » . [3]
وفي فهرس الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع للخطيب البغدادي باب في إصلاح المحدث هيئته وأخذه لرواية الحديث زينته، جاء تحته المباحث التالية:
(1) - إحياء علوم الدين - (1 / 62) وميزان العمل - (1 / 54) وكتب القرضاوي - (8 / 93) و الرسول والعلم ـ القرضاوي ص:75
(2) - شعب الإيمان - (10 / 462) (7803 ) صحيح
وَقَوْلُهُ:"بَطِرَ الْحَقِّ": يَعْنِي الْكِبْرَ عِنْدَ الْحَقِّ فَلَمْ يَقْبَلْهُ،وَقَوْلُهُ:"غَمَطَ النَّاسَ": يَعْنِي احْتَقَرَهُمْ، وَقَوْلُهُ:"الْكِبْرُ": كِبْرُ مَنْ فَعَلَ هَذَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى } [البقرة: 189] يَعْنِي الْبِرُّ، بِرُّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ
(3) - صحيح مسلم- المكنز - (275)