فهرس الكتاب

الصفحة 8 من 91

المبحث الثاني

تعامل الصحابة مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومع بعضهم بعضًا

إن لنا في صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعلى مثل وقدوة في تعاملهم مع معلمهم ومعلم البشرية الأول - صلى الله عليه وسلم - ،ومع أهل العلم من بعده، (( فقد كان شأنهم في تعظيمه وتوقيره أوضح وأظهر من أن يستدل عليه، وأجمل من وَصف شأنهم في ذلك عروة بن مسعود الثقفي رضي الله عنه حين فاوض النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلح الحديبية فلما رجع إلى قريش فَقَالَ:أَيْ قَوْمِ،وَالله،لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ،وَوَفَدْتُ عَلَى قَيْصَرَ،وَكِسْرَى،وَالنَّجَاشِيِّ،وَاللهِ،إِنْ رَأَيْتُ مَلِكًا قَطُّ يُعَظِّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظِّمُ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - مُحَمَّدًا،وَالله،إِنْ تَنَخَّمَ نُخَامَةً إِلاَّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ،فَدَلَكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ، وَإِذَا أَمَرَهُمُ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ،وَإِذَا تَوَضَّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ،وَإِذَا تَكَلَّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ،وَمَا يُحِدُّونَ إِلَيْهِ النَّظَرَ،تَعْظِيمًا لَهُ،وَإِنَّهُ قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطَّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا" [1] ."

وقد وُصف جلوس الصحابة واستماعهم للنبي بوصف عجيب، فعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ:كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ،فَانْتَهَيْتُ ذَاتَ لَيْلَةٍ،فَلَمْ أَرَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي مَكَانِهِ،وَإِذَا أَصْحَابُهُ كَأَنَّ عَلَى رُؤُوسِهِمُ الطَّيْرُ،وَإِذَا الإِبِلُ قَدْ وَضَعَتْ جِرَانَهَا،قَالَ:فَنَظَرْتُ،فَإِذَا أَنَا بِخَيَالٍ،فَإِذَا مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ قَدْ تَصَدَّى لِي،فَقُلْتُ:أَيْنَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ:وَرَائِي،وَإِذَا أَنَا بِخَيَالٍ،فَإِذَا هُوَ أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ،فَقُلْتُ:أَيْنَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ؟ قَالَ:وَرَائِي،فَحَدَّثَنِي حُمَيْدُ بْنُ هِلاَلٍ،عَنْ أَبِي بُرْدَةَ،عَنْ أَبِي مُوسَى،عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ،قَالَ:فَسَمِعْتُ خَلْفَ أَبِي مُوسَى هَزِيزًا كَهَزِيزِ الرَّحَى،فَإِذَا أَنَا بِرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ،فَقُلْتُ:يَا رَسُولَ اللهِ،إِنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا كَانَ بِأَرْضِ الْعَدُوِّ كَانَ عَلَيْهِ حَرَسٌ،فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -:أَتَانِي آتٍ،فَخَيَّرَنِي بَيْنَ أَنْ يَدْخُلَ نِصْفُ أُمَّتِي الْجَنَّةَ،وَبَيْنَ الشَّفَاعَةِ فَاخْتَرْتُ الشَّفَاعَةَ،فَقَالَ مُعَاذٌ:بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ قَدْ عَرَفْتَ مَنْزِلِي،فَاجْعَلْنِي مِنْهُمْ،قَالَ:أَنْتَ مِنْهُمْ،قَالَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ،وَأَبُو مُوسَى:يَا رَسُولَ اللهِ،قَدْ عَرَفْتَ أَنَّا تَرَكْنَا أَمْوَالَنَا وَأَهْلِينَا،وَذَرَارِيَّنَا

(1) - صحيح البخارى- المكنز - (2731 و2732 )

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت