ورابع لا يبارح تخصصه العلمي أو الأدبي البحت، بل هو يراوح بين نواحي المقرر والتخصص، لا يربطه بالقضية الكبرى، قضية الإيمان والأخلاق وتعميقها في نفوس طلابه من خلال تخصصه، ومراعاة ذلك في سلوكهم وفهمهم واستيعابهم، ظانًا أن هذا ليس من شأنه، ولا من مهامه، بل له أستاذ آخر ومقرر آخر، أما هو فليوفر جهده ووقته لما هو بصدده من قضايا التخصص.
وخامس؛ معلم لجأ إلى التعليم باعتباره الوظيفة الوحيدة المتاحة أمامه، لم يقصدها رغبةً ولا حرصًا، بل مُكره أخاك لا بطل، فهي الوحيدة التي تتناسب وقدراته ومؤهلاته، دون رغباته وتطلعاته، وحاله يحكي حال الآلاف من طلبة كليات الشريعة والعلوم الإنسانية والأدبية، الذين لجأوا إليها مكرهين مدفوعين بالأبواب، حيث حبسهم ضعف المعدل الأكاديمي عند هذه الحدود، ولم يمكِّنهم من تجاوزها إلى كليات أخرى كانت محط آمالهم، ومنتهى تطلعاتهم. فأي تفوّق وإبداع وأي إخلاص يرجى ممن هذا حاله سواء في الطلب، أو في العطاء.
وسادس.. وسابع ...
فهذه وغيرها صور سالبة متعددة تزدحم بها حياتنا التعليمية كان لها الأثر السيء والعميق في مؤسسات المجتمع المتنوعة على ما حكيناه سابقا.
ومع ذلك فإنَّ العدل يقتضي أن نعترف ـ مقارنةً بالماضي عشيّة خروج المحتل ـ أن نسبة المتعلمين إلى مجموع السكان قد ارتفعت ارتفاعًا مطردًا ولا تزال في ازدياد، المعلم والمتعلم والمدارس والوسائل التعليمية ومن أهمها الكتاب، وصار التعليم إلزاميًا في كثير من البلاد، لا سيما التعليم الابتدائي، وانفتح التعليم الجامعي أمام معظم فئات المجتمع بعد أن كان حِكرًا على فِئات مُعينة؛ إما بسبب الانتقائية، وإما بسبب الضعف المادي لدى قطاعات كبيرة مِن المجتمع، وإما لأنه كان يعدُّ ترفًا اجتماعيًا في بعض الأوساط وفي أوقات مضت.
المهم أن التعليم الآن أصبح حاجةً اجتماعية، الحرص عليه لا يقلُّ عن الحرص على بقية الحاجيات.