مع ملاحظة أن الوعيد يلحق ـ كما يفهم الحديث ـ مَن قصد بعلمه الدنيا ومحَّض لذلك نيّته من غير التفاتٍ للآخرة، أما من أراد بعلمه الآخرة وأصاب مع ذلك شيئًا من الدنيا فلا يلحقه الوعيد، وقد تحدث الفقهاء عن جواز التشريك في النية كما في الحج {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ} (198) سورة البقرة
وقال تعالى: {لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ} (27) سورة الحج
ففرقٌ بين مَن يأخذ الدنيا ليتفرغ لعمل الآخرة، وبين من يعمل عمل الآخرة ليأخذ الدنيا، فتأمل؛ فإنه موضع الزلل [1] .
فالحديث إنما يَذُمّ مَن قصد الدنيا، لا من جاءته الدنيا بغير هذا القصد. والقرآن ذم من ( مَنْ طَغَى(37) وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (38) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (39) [النازعات: 37 - 39] ) وقال تعالى: {فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (29) سورة النجم، وقال تعالى: {مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا} (18) سورة الإسراء، في مقابل {وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا} (19) سورة الإسراء.
والدنيا لا تُذَمّ إذا قُصدت بعمل وعلم الآخرة، وكيف تُذَمّ الدنيا لذاتها وهي مزرعة الآخرة؟
ولهذا قال العلامة القاري في المرقاة:"أفهم الحديث أن من أخلص قصده فتعلم لله، لا يضره حصول الدنيا له من غير قصدها بتعلمه، بل مِن شأن الإخلاص بالعلم أن تأتي الدنيا لصاحبه راغمة.." [2]
(1) - انظر: المرقاة شرح المشكاة ـ الملا علي القاري 1/287
(2) - مرجع سابق 1/288