فهرس الكتاب

الصفحة 81 من 91

بِالْقَلِيلِ فَيَضْجَرُ الذَّكِيُّ مِنْهُ وَيَعْجِزُ الْبَلِيدُ عَنْهُ وَمَنْ يُرَدِّدُ أَصْحَابَهُ بَيْنَ عَجْزٍ وَضَجَرٍ مَلُّوهُ وَمَلَّهُمْ [1] .

وقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"قَالَ أَخِي مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: يَا رَبِّ أَرِنِي الَّذِي كُنْتُ أَرَى فِي السَّفِينَةِ ، فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ يَا مُوسَى إِنَّكَ سَتَرَاهُ ، فَلَمْ يَلْبَثْ مُوسَى إِلَّا يَسِيرًا حَتَّى أَتَاهُ الْخَضِرُ ، وَهُوَ فَتًى طَيِّبُ الرِّيحِ ، حَسَنُ بَيَاضِ الثِّيَابِ ، فَقَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ ، إِنَّ رَبَّكَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السَّلَامَ وَرَحْمَةَ اللَّهِ ، قَالَ مُوسَى: هُوَ السَّلَامُ ، وَمِنْهُ السَّلَامُ ، وَإِلَيْهِ السَّلَامُ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ الَّذِي لَا أُحْصِي نِعَمَهُ ، وَلَا أَقْدِرُ عَلَى أَدَاءِ شُكْرِهِ إِلَّا بِمَعُونَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ مُوسَى: أُرِيدُ أَنْ تُوصِيَنِي بِوَصِيَّةٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا ، فَقَالَ الْخَضِرُ: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ ، إِنَّ الْقَائِلَ أَقَلَّ مَلَالَةً مِنَ الْمُسْتَمِعِ ، فَلَا تَمَلَّ جُلَسَاءَكَ إِذَا حَدَّثْتَهُمْ ، وَاعْلَمْ أَنَّ قَلْبَكَ وِعَاءٌ ، فَانْظُرْ مَاذَا تَحْشُو بِهِ وِعَاءَكَ ، وَاعْزِفْ نَفْسَكَ عَنِ الدُّنْيَا ، وَانْبِذْهَا وَرَاءَكَ ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ لَكَ بِدَارٍ وَلَا لَكَ فِيهَا مَحَلُّ قَرَارٍ ، فَإِنَّهَا إِنَّمَا جُعِلَتْ بُلْغَةً لِلْعِبَادِ ، لِيَتَزَوَّدُوا مِنْهَا لِلْمَعَادِ ، يَا مُوسَى وَطِّنْ نَفْسَكَ عَلَى الصَّمْتِ تُلَقَّ الْحُكْمَ ، وَأَشْعِرْ قَلْبَكَ التَّقْوَى تَنَلِ الْعِلْمَ ، وَرُضْ نَفْسَكَ عَلَى الصَّبْرِ تَخْلُصْ مِنَ الْإِثْمِ ، يَا مُوسَى تَفَرَّغْ لِلْعِلْمِ ، إِنْ كُنْتَ تُرِيدُهُ ، فَإِنَّمَا الْعِلْمُ لِمَنْ تَفَرَّغَ لَهُ ، وَلَا تَكُونَنَّ مِكْثَارَ الْمَنْطِقِ مِهْذَارًا ، فَإِنَّ كَثْرَةَ الْمَنْطِقِ تُشِينُ الْعُلَمَاءَ ، وَتُبَدِي مَسَاوِئَ السُّخَفَاءِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالِاقْتِصَادِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنَ التَّوْفِيقِ وَالسَّدَادِ ، وَأَعْرِضْ عَنِ الْجُهَّالِ ، وَاحْلُمْ عَنِ السُّفَهَاءِ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِعْلُ الْحُكَمَاءِ وَزَيْنُ الْعُلَمَاءِ ، إِذَا شَتَمَكَ الْجَاهِلُ فَاسْكُتْ عَنْهُ حِلْمًا ، وَجَانِبْهُ حَزْمًا ، فَإِنَّ مَا بَقِيَ مِنْ جَهْلِهِ عَلَيْكَ وَشَتْمِهِ إِيَّاكَ أَكْثَرُ وَأَعْظَمُ ، يَا ابْنَ عِمْرَانَ ، لَا تَرَى أَنَّكَ أُوتِيتَ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا ، فَإِنَّ التَّعَسُّفَ مِنَ الِاقْتِحَامِ وَالتَّكَلُّفِ ، يَا ابْنَ عِمْرَانَ لَا تَفْتَحَنَّ بَابًا لَا تَدْرِي مَا غَلَقُهُ ، وَلَا تُغْلِقَنَّ بَابًا لَا تَدْرِي مَا مِفْتَاحُهُ ، يَا ابْنَ عِمْرَانَ مَنْ لَا تَنْتَهِي مِنَ الدُّنْيَا نَهْمَتُهُ ، وَلَا تَنْقَضِي مِنْهَا رَغْبَتُهُ ، كَيْفَ يَكُونُ عَابِدًا مَنْ يَحْقِرُ حَالَهُ ، وَيَتَّهِمُ اللَّهَ بِمَا قَضَى لَهُ ؟ كَيْفَ يَكُونُ زَاهِدًا ؟ هَلْ يَكُفُّ عَنِ الشَّهَوَاتِ مَنْ قَدْ غَلَبَ عَلَيْهِ هَوَاهُ ، أَوْ يَنْفَعُهُ طَلَبُ الْعِلْمِ وَالْجَهْلُ قَدْ حَوَاهُ ؟ لِأَنَّ سَفْرَتَهُ إِلَى آخِرَتِهِ وَهُوَ مُقْبِلٌ عَلَى"

(1) - أدب الدنيا والدين ـ الماوردي ص:90

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت