أي إنا جعلنا أيديهم مشدودة إلى أعناقهم بالقيود ، تمنعهم من فعل شيء ، فصاروا مرفوعي الرؤوس خافضي الأبصار. وهذا يعني أن اللّه جعلهم كالمغلولين المقمحين (الرافعي رؤوسهم الغاضي أبصارهم) في أنهم لا يلتفتون إلى الحق ، ولا يوجهون أنظارهم نحوه ، وهم أيضا كالقائمين بين سدين ، لا يبصرون أمامهم ولا خلفهم ، وأنهم متعامون عن النظر في آيات اللّه ، كما قال: وَجَعَلْنا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا ، فَأَغْشَيْناهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ أي تأكيدا لما سبق في تصوير حالتهم أنهم بتعاليهم عن النظر في آيات اللّه جعلوا كمن أحاط به سدان من الأمام والخلف ، فمنعاه من النظر ، فهو لا يبصر شيئا ، وهؤلاء لا ينتفعون بخير ، ولا يهتدون إليه لأنا غطينا أبصارهم عن الحق.
"والأغلال التي جعلها اللّه في أعناق هؤلاء المشركين ، هي أغلال معنوية."
فإن الذي ينظر إليهم ، وهم ماضون على طريق الشرك ، لا يلتفتون إلى هذا النور الذي عن يمينهم وعن شمالهم ، ومن أمامهم ومن خلفهم ـ يخيّل إليه أن في أعناق القوم أطواقا من حديد ، قد شلت حركة رءوسهم ، فلم يقدروا على إلفاتها يمينا أو شمالا .." [1] "
أما وقد جعل اللّه ـ سبحانه ـ سدّا من بين أيديهم أي من أمامهم ، وسدّا من خلفهم ، فقد أحكم سد المنافذ عليهم من جميع الجهات ، وأصبحوا وقد أغلقت عليهم منافذ النظر إلى العالم الخارجي ، وصاروا
(1) - التفسير القرآني للقرآن ـ موافقا للمطبوع - (11 / 909)