الْقِيَامَةِ [آل عمران:161] . فَإِنَّ الْغُلُولَ [1] خِيَانَةٌ.) والغلول من الكبائر، والنبي - صلى الله عليه وسلم - غلَّظ في مسألة الغلول، ووعظ فيها النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال إنه عار وشنار على صاحبه يوم القيامة [2] ، وذكر الرجل الذي كان خادمًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - واسمه كَرْكَرَةُ، فهذا الرجل قُتل والصحابة - رضي الله عنهم - يقولون فلان شهيد وفلان شهيد حتى ذكروه، فقال: «لا والله إن الشملة [3] التي غلَّها يوم خيبر إنها لتشتعل عليه نارًا» [4] ، وهذا الحديث أشكل على البعض وهو أن الشهيد يُغفر له كل ذنب، وهذا قُتل في سبيل الله، فلِما لم يغفر له مسألة أخذه لهذه الشملة؟، وقد وجَّهه بعض العلماء لأن هذا من حقوق العباد [5] ، فقد أخذ هذا المال من الغنيمة، والغنيمة يشترك فيها هو والآخرون، فعندما أخذ الشملة أخذ شيئًا من حقوق العباد بغير وجه حق [6] ، فلذلك لم يغفر له فيه، فالإنسان يحتاط كثيرًا في مثل هذه المسائل، كما
(1) . قال ابنُ الأثير: الغُلول: الخيانةُ في المَغنَم، والسَّرِقةُ، وكلُّ من خانَ في شيءٍ خِفيَةً فقد غَلَّ. (تاج العروس 30\ 116) وانظر (لسان العرب 11\ 499) ، وقال النووي: (وأصل الغلول الخيانة مطلقا ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة قال نفطويه: سمي بذلك لأن الأيدي مغلولة عنه أي محبوسة) (شرح صحيح مسلم 12\ 216)
(2) . جاء ذلك عند ابن حبان (4855) ، والحاكم (4370) ، وابن ماجه (2850) ، وأحمد (22751) من حديث عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -] صححه الألباني [، وعند النسائي (3688) ، وأحمد (6729) من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه -] حسنه الألباني [، وعند أحمد (17194) من حديث العرباض بن سارية - رضي الله عنه -] حسنه الألباني [.
(3) . الشَّمْلة عند العرب مِئْزَرٌ من صوف أَو شَعَر يُؤْتَزَرُ به. (لسان العرب 11\ 364) وانظر (تاج العروس 29\ 288) ، وفي المصباح المنير (1\ 323) : والشَّمْلَةُ: كساء صغير يؤتزر به و الجمع شَمَلاتٌ.
(4) . الذي قيل فيه هذا هو عبدٌ اسمه"مِدْعَمٌ"جاء ذكره في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - عند: البخاري (3993) ، ومسلم (115) ، وابن حبان (4851) ، وأبي داود (2711) ، والنسائي (3827) ، ومالك (980) . أما ذكر"كركرة"فقد جاء من حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنه: البخاري (2909) ، وابن ماجه (2849) ، وأحمد (6493) .
(5) . وحقوق العباد لا تكفرها الشهادة، يقول النووي: (وأما قوله - صلى الله عليه وسلم:(إلا الدَيْن) ففيه تنبيه على جميع حقوق الآدميين، وأنَّ الجهاد والشهادة وغيرهما من أعمال البر لا يكفِّر حقوق الآدميين وإنما يكفِّر حقوق الله تعالى) (شرح صحيح مسلم 13\ 29) .
ويقول ابن حجر في الفتح (10\ 193) : (وأما الحديث الآخر الصحيح(إن الشهيد يغفر له كل شيء إلا الدين) فإنه يستفاد منه أن الشهادة لا تكفِّر التبعات، وحصول التبعات لا يمنع حصول درجة الشهادة، وليس للشهادة معنى إلا أنَّ الله يثيب من حصلت له ثوابًا مخصوصًا ويكرمه كرامة زائدة، وقد بيَّن الحديث أن الله يتجاوز عنه ما عدا التبعات، فلو فُرِض أن للشهيد أعمالًا صالحة وقد كفَّرت الشهادة أعماله السيئة غير التبعات، فإن أعماله الصالحة تنفعه في موازنة ما عليه من التبعات، وتبقى له درجة الشهادة خالصة، فإن لم يكن له أعمال صالحة فهو في المشيئة، والله أعلم.)
(6) . قال ابن عبد البر: (فكل من غلَّ شيئًا في سبيل الله، أو خان شيئًا من مال الله، جاء به يوم القيامة -إن شاء الله-، والغلول من حقوق الادميين، ولا بد فيه من القصاص بالحسنات والسيئات، ثم صاحبه في المشيئة) (التمهيد 2\ 9) ، ويقول النووي: (من غلَّ في الغنيمة وشبهه ممن وردت الآثار بنفي تسميته شهيدُا إذا قتل في حرب الكفار فهذا له حكم الشهداء في الدنيا فلا يغسل ولا يصلى عليه وليس له ثوابهم الكامل في الآخرة والله أعلم) (شرح صحيح مسلم 2\ 164)