الأنصار في صدورهم حسدًا مما أُوتي المهاجرون من الفضائل التي ذكرها الله - سبحانه وتعالى -، {حَاجَةً} : حسدا ًكما ذكر الحسن البصري -رحمه الله- [1] . {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ} : أي يقدِّمون حاجة غيرهم على حاجتهم، وليس في حال السعة، وإنما في حال الخصاصة والفقر والحاجة، وقالوا أن سبب نزول هذه الآية القصة المعروفة وهي: أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَبَعَثَ إِلَى نِسَائِهِ فَقُلْنَ مَا مَعَنَا إِلاَّ الْمَاءُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ يَضُمُّ، أَوْ يُضِيفُ هَذَا» ، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: أَنَا فَانْطَلَقَ بِهِ إِلَى امْرَأَتِهِ فَقَالَ: أَكْرِمِي ضَيْفَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَقَالَتْ: مَا عِنْدَنَا إِلاَّ قُوتُ صِبْيَانِي، فَقَالَ: هَيِّئِي طَعَامَكِ، وَأَصْبِحِي سِرَاجَكِ، وَنَوِّمِي صِبْيَانَكِ إِذَا أَرَادُوا عَشَاءً، فَهَيَّأَتْ طَعَامَهَا، وَأَصْبَحَتْ سِرَاجَهَا، وَنَوَّمَتْ صِبْيَانَهَا، ثُمَّ قَامَتْ كَأَنَّهَا تُصْلِحُ سِرَاجَهَا فَأَطْفَأَتْهُ، فَجَعَلاَ يُرِيَانِهِ أَنَّهُمَا يَأْكُلاَنِ، فَبَاتَا طَاوِيَيْنِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ غَدَا إِلَى رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ: «ضَحِكَ اللَّهُ اللَّيْلَةَ -أَوْ عَجِبَ- مِنْ فَعَالِكُمَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} » [2] . وكان الرجل من الأنصار -في أول الهجرة- يخيِّر المهاجر في نسائه، فيقول له: عندي كذا من النساء، فاختر أيتهما شئت لأطلقها لك [3] ، من يستطيع أن يفعل هذا؟ فإذن هذا هو حال الأنصار، ولذلك شهد الله - سبحانه وتعالى - لهم بهذه الصفات. إذن هؤلاء هم الصنف الثاني من الذين يستحقون من الفيء.
(1) . تفسير الطبري (23\ 284) ، تفسير ابن كثير (8\ 69) .
(2) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: البخاري (3587) ، ومسلم (2054) ، وابن حبان (7264) ، والحاكم (7176) ، والترمذي (3304) .
(3) . كما حدث هذا مع الصحابيين عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن الربيع -رضي الله عنهما-، وذلك عند البخاري (4785) ، والترمذي (1933) ، والنسائي (3388) ، وأحمد (12999) من حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه -.