هَاهُنَا، فَذَهَبُوا فَطَافُوا، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ [1] فِي الْخَرِبَةٍ [2] شيخ الإسلام يستدل بهذا الحديث على أن الإنسان إن كتم شيئًا وجب أن يعاقب حتى يؤديه، فهذه القصة مشهورة معروفة، وهي عندما صالح النبي - صلى الله عليه وسلم - أهل خيبر، صالحهم على ألا يخفوا عنه شيئًا من الذهب والفضة وألا يخرجوا إلا بما تحمله إبلهم، وإذا كتموا شيئًا استحلت دماؤهم بذلك، فعندما جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - سألهم عن مال حيي بن أخطب فهو يعرف أن عنده مالًا كثيرًا، فقال سعية -وهو عم حيي: يا رسول الله أذهبته النفقات والحروب، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - بقرائن الحال عرف أنه يكذب، فقال له: العهد قريب يعني المدة قصيرة ولا يمكن أن يُنفق هذا المال كله في هذه المدة القصيرة، فقال: يا زبير مسه بشيء من العذاب، يعني عاقبه ليعترف أين أُخفي المال، فإذن هنا كحال الغني الذي يماطل في أداء الواجب عليه، فهذا أخفى هذا الأمر وهو خالف ما صالح عليه النبي - صلى الله عليه وسلم - فعندما مسَّه الزبير بشيء من العذاب قال: رأيت حييًا يطوف في خربة ههنا، فعندما ذهبوا وجدوا جلدًا في داخله الذهب، ثم أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وضربت عنقه. فالمقصود هنا أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عاقب هذا الرجل حتى اعترف بالمكان الذي يخفي فيه المال، فكذلك من وجب عليه حق وامتنع عن أدائه أو امتنع عن التعريف بمكانه فيُعاقب حتى يدل عليه وتُقضى ديون النَّاس.
(وَهَذَا الرَّجُلُ كَانَ ذِمِّيًّا، وَالذِّمِّيُّ لَا تَحِلُّ عُقُوبَتُهُ إلَّا بِحَقٍّ) كأن شيخ الإسلام أورد استشكالًا وأجاب عنه، فكأن قائلًا قال له: سَعْيَة كان كافرًا، ومال الكافر
(1) . مَسك: بفتح الميم، والمراد بهِ: الجلد الذِي عليهِ صوف. (فتح الباري لابن رجب 2\ 96)
(2) . من حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنه: ابن حبان (5199) ، وأبو داود (3006) .