فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 346

(وَكَذَلِكَ مُحَابَاةُ الْوُلَاةِ فِي الْمُعَامَلَةِ) أي وكذلك مجاملة الولاة في المعاملة (مِنَ الْمُبَايَعَةِ) تبيع له بسعر رخيص مثلًا (وَالْمُؤَاجَرَةِ) عندما يؤجر منك بيتًا تُكريه منه بثمن أقل (وَالْمُضَارَبَةِ، وَالْمُسَاقَاةِ) والمساقاة: أن يكون عند الإنسان أرض فيكل أمرها إلى شخص يزرعها ويقوم عليها والغلة بينهما على ما يتفقان (وَالْمُزَارَعَةِ) تكون في النخل والأشجار المثمرة كأن نقول لشخص أنت تقوم على إصلاح هذا النخل ثم لك من ثمره كذا وكذا (وَنَحْوِ ذَلِكَ، هُوَ مِنْ نَوْعِ الْهَدِيَّةِ) يعني إنما حابيته بسبب منصبه.

(وَلِهَذَا شَاطَرَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رضي الله عنه - مِنْ عُمَّالِهِ مَنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ وَدِينٌ [1] ، لَا يُتَّهَمُ بِخِيَانَةٍ، وَإِنَّمَا شَاطَرَهُمْ لَمَّا كَانُوا خُصُّوا بِهِ لِأَجْلِ الْوِلَايَةِ مِنْ مُحَابَاةٍ وَغَيْرِهَا، وَكَانَ الْأَمْرُ يَقْتَضِي ذَلِكَ; لِأَنَّهُ كَانَ إمَامَ عَدْلٍ، يَقْسِمُ بِالسَّوِيَّةِ فَلَمَّا تَغَيَّرَ الْإِمَامُ وَالرَّعِيَّةُ، كَانَ الْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ أَنْ يَفْعَلَ مِنَ الْوَاجِبِ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، وَيَتْرُكَ مَا حَرُمَ عَلَيْهِ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَا أَبَاحَ اللَّهُ لَهُ.) قسم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أموال ولاته وعماله نصفين، فترك لهم نصفه وأخذ النصف الآخر لبيت المال، مع أن أولئك كانوا أصحاب فضل ودين وورع ومراقبة لله - عز وجل - وهم أبعد النَّاس أن يأخذوا أموال النَّاس بغير حق، ولكنه شاطرهم أموالهم لما كانوا خُصوا به لأجل الولاية من المحاباة، لأن النَّاس قد يكونون حابوهم في البيع أو الشراء أو المساقاة أو المزارعة أو الأجرة أو غير ذلك، فاحتياطًا أخذ عمر - رضي الله عنه - نصف أموالهم التي تحصَّلوا عليها بعد الولاية، وهؤلاء هم أهل الدين والورع والتقوى فكيف بمن جاء بعدهم؟

(وَقَدْ يُبْتَلَى النَّاسُ مِنَ الْوُلَاةِ بِمَنْ يَمْتَنِعُ مِنَ الْهَدِيَّةِ وَنَحْوِهَا ; لِيَتَمَكَّنَ بِذَلِكَ مِنْ اسْتِيفَاءِ الْمَظَالِمِ مِنْهُم، وَيَتْرُكَ مَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ مِنْ قَضَاءِ حَوَائِجِهِم) هذا من الورع المقلوب، بمعنى أن الإنسان يكون في منصب من المناصب، ولا يقبل الهدية من أحد من أجل أن يقدر على أخذ المظالم وردِّها إلى أهلها حتى لا يقع في قلبه محاباة لأحد، ولكن في المقابل هو في هذا المنصب مكلف بقضاء حوائج النَّاس، كأن يرفع حوائجهم إلى السلطان ويبلغه بما يريدون، فهذا يفرِّط فيه ويضيِّعه وهو أصل المهمة التي أسندت إليه وكُلِّف بها. (فَيَكُونَ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ عِوَضًا، عَلَى كَفِّ ظُلْمٍ وَقَضَاءِ حَاجَةٍ مُبَاحَةٍ، أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ هَذَا) ففي هذه الحالة يتمنى النَّاس أن يأتي شخص في هذا المنصب يأخذ على كفِّ الظلم هدية أو رشوة، ويأخذ على قضاء حوائجهم هدية أو رشوة، أحب إليهم من هذا الشخص الذي لا يأخذ الهدية ويضيِّع حقهم، ويستوفي بعض المظالم منهم (فَإِنَّ الْأَوَّلَ قَدْ بَاعَ آخِرَتَهُ بِدُنْيَا غَيْرِهِ، وَأَخْسَرُ النَّاسِ صَفْقَةً، مَنْ بَاعَ آخِرَتَهُ) باع آخرته لأنه سيُسأل عن حاجات النَّاس التي ضيَّعها (بِدُنْيَا غَيْرِهِ) أي بالهدية التي لم يقبلها، أي ضيَّع الواجب وهو قضاء حوائج النَّاس مقابل أن لا يقبل شيئًا من الدنيا وهي الهدية.

(وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ كَفُّ الظُّلْمِ عَنْهُمْ بِحَسَبِ الْقُدْرَةِ، وَقَضَاءُ حَوَائِجِهِمْ الَّتِي لَا تَتِمُّ مَصْلَحَةُ النَّاسِ إلَّا بِهَا، مِنْ تَبْلِيغِ ذِي السُّلْطَانِ حَاجَاتِهِم، وَتَعْرِيفِهِ بِأُمُورِهِمْ، وَدَلَالَتِهِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ، وَصَرْفِهِ عَنْ مَفَاسِدِهِمْ، بِأَنْوَاعِ الطُّرُقِ

(1) منهم سعد بن أبي وقاص، وأبو هريرة -رضي الله عنهما- (الطبقات الكبرى لابن سعد 3\ 282) وعمرو بن العاص - رضي الله عنه - (تاريخ دمشق 55\ 278) ، وخالد بن الوليد - رضي الله عنه - (7\ 23)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت