فهرس الكتاب

الصفحة 159 من 346

متورع وهو في الحقيقة تارك لأمر أوجبه الشرع عليه إما وجوبًا عينيًا أو وجوبًا كفائيًا.

(وَالثَّانِي: تَعَاوُنٌ عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ: كَالْإِعَانَةِ عَلَى دَمٍ مَعْصُومٍ، أَوْ أَخْذِ مَالِ مَعْصُومٍ، أَوْ ضَرْبِ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّ الضَّرْبَ، وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَهَذَا الَّذِي حَرَّمَهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.) وهذا هو الذي يحتاج فيه الإنسان إلى الإمساك والكف والورع بل هو أمر واجب وليس بمجرد الورع، لأنَّ الشرع نهانا عن أن نعين أحدًا على الإثم والعدوان.

إذن المقصود أنه يمكن للإمام الظالم أن تنفك الجهات فيه، جهة يكون فيها ظالمًا متجبرًا طاغيًا، وفي جهة يكون مؤدّيًا لحقوق النَّاس ولحقوق الله تعالى ويقيم فيها أحكام الشرع، فالجهة التي يوافق فيها الشرع يُعان عليها، والجهة التي يظلم فيها النَّاس لا يعان عليها، ولا يكفي لمجرد اتصافه بالظلم أن ننبذه نبذًا كاملًا.

(نَعَمْ إذَا كَانَتْ الْأَمْوَالُ قَدْ أُخِذَتْ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَقَدْ تَعَذَّرَ رَدُّهَا إلَى أَصْحَابِهَا، كَكَثِيرٍ مِنَ الْأَمْوَالِ السُّلْطَانِيَّةِ، فَالْإِعَانَةُ عَلَى صَرْفِ هَذِهِ الْأَمْوَالِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَسَدَادِ الثُّغُورِ وَنَفَقَةِ الْمُقَاتِلَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، مِنَ الْإِعَانَةِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى، إذْ الْوَاجِبُ عَلَى السُّلْطَانِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ - إذَا لَمْ يُمْكِنْ مَعْرِفَةُ أَصْحَابِهَا ورَدُّهَا عَلَيْهِمْ، وَلَا عَلَى وَرَثَتِهِمْ - أَنْ يَصْرِفَهَا - مَعَ التَّوْبَةِ، إنْ كَانَ هُوَ الظَّالِمَ - إلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ [1] هَذَا هُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ، كَمَالِكٍ، وَأَبِي

(1) . جاء في المجموع للنووي (9\ 351) :(قال الغزالي:"إذا كان معه مال حرام، وأراد التوبة والبراءة منه، فإن كان له مالك معين وجب صرفه إليه، أو إلى وكيله، فإن كان ميتا وجب دفعه إلى وارثه، وإن كان لمالك لا يعرفه، ويئس من معرفته، فينبغي أن يصرفه في مصالح المسلمين العامة كالقناطر والربط والمساجد ومصالح طريق مكة ونحو ذلك مما يشترك المسلمون فيه، وإلا فيتصدق به علي فقير أو فقراء، وينبغي أن يتولى ذلك القاضي إن كان عفيفًا، فإن لم يكن عفيفًا، لم يجز التسليم إليه، فإن سلَّمه إليه، صار المسلم ضامنًا، بل ينبغي أن يحكم رجلًا من أهل البلد ديّنا عالما، فإن التحكم أولى من الانفراد، فإن عجز عن ذلك تولاه بنفسه، فإن المقصود هو الصرف إلى هذه الجهة، وإذا دفعه إلى الفقير لا يكون حرامًا على الفقير، بل يكون حلالًا طيبًا، وله أن يتصدق به على نفسه وعياله إذا كان فقيرًا، لأن عياله إذا كانوا فقراء فالوصف موجود فيهم، بل هم أولى من يتصدق عليه، وله هو أن يأخذ منه قدر حاجته لأنه أيضًا فقير"

وهذا الذي قاله الغزالي في هذا الفرع ذكره آخرون من الأصحاب، وهو كما قالوه، ونقله الغزالي أيضًا عن معاوية بن أبي سفيان وغيره من السلف عن أحمد بن حنبل والحارث المحاسبي وغيرهما من أهل الورع، لأنه لا يجوز إتلاف هذا المال ورميه في البحر، فلم يبق إلا صرفه في مصالح المسلمين، والله سبحانه وتعالى أعلم)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت