المجاهدين وإن أُطلق عليه اسم بيت المال، ولكنه ليس هو بيت المال العام الذي يجري عليه الأحكام التي نذكرها، وإنما يستفاد من هذه الأحكام في بعض الأمور مثلًا في مسألة التفاضل الرجل وغناؤه، والرجل وبلاؤه، فهذه ممكن أن تطبقها في ساحة الجهاد، ولكن أصل هذه الأموال أنها جاءت ليس لذوي الحاجات من غير المجاهدين، وإنما جاءت لأجل الجهاد إما مباشرة أو بالتبعية، فأحيانا تُنفق بعض الأموال مما تصب مصلحته في الجهاد كدفع الأموال للمؤلفة قلوبهم، فأنت أحيانًا مما تحتاجه في ساحة الجهاد هو تأليف النَّاس الذين حولك، فتنفق عليهم وتؤلف رؤوسهم ورؤوس عشائرهم وقادتهم، ولا تقول أن هذه الأموال إنما أنفقت للجهاد فكيف أعطي هؤلاء؟ فهذا جزء من جهادك.
(وَإِذَا حَصَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ مُتَبَرِّعٌ، فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ بِهِ) ربما يكون المعنى أنه إذا حصل لواحد من هؤلاء متبرع أنفق عليه شيئًا من المال، فقد أغنى الله بذلك المتبرع فلا يحتاج إلى العطاء من بيت المال (وَإِلَّا أُعْطِيَ مَا يَكْفِيهِ أَوْ قَدْرَ عَمَلِهِ) الظاهر والله أعلم: أنه لو كان هناك إنسان محتاج، فوجد من يتبرع له، وهو قبل هذا التبرع، ولكن هذا التبرع لم يكن كافيًا لحاجته، فيُعطى من بيت المال ما يكمل له حتى تُسد حاجته، فينظر في العطاء إلى جهتين إلى جهة الحاجة، وإلى جهة النفع بالعمل، فأما في الحاجة فيُعطى بقدر حاجته، فيُنظر إلى ما يحتاجه من النفقات على نفسه وعلى أهله وعلى أولاده وعلى من تجب نفقته عليهم، وأما من جهة عمله فينظر إلى عموم أو اتساع مصلحة عمله، فكلما اتسعت مصلحة العمل كلَّما ازداد عطاؤه، فالتفاوت إنما يكون بسبب الحاجة، أو بسبب الغناء والبلاء في العمل (وَإِذَا عَرَفْتَ أَنَّ الْعَطَاءَ يَكُونُ بِحَسَبِ مَنْفَعَةِ الرَّجُلِ) من جهة