يتحرَّون مصلحتهم كما هو حال الفريق الأول، وإنما يتحرَّون مصلحة الدِّين يريدون وجه الله تعالى، كما أنهم لا يقتصرون على مجرَّد الدِّين مع عدم الجود كما هو حال الفريق الثاني الذين هم عندهم دين وخوف وورع إلا أنَّهم لا يجودون على النَّاس ولا ينفقون عليهم ولا يُعطونهم، وهؤلاء -الفريق الثالث- جمعوا بين إعطاء النَّاس، ووضع الأموال فيما هو فيه مصلحة للمسلمين ومنفعة عامة لهم، مع إرادتهم وجه الله - سبحانه وتعالى - بذلك، فمقصودهم الأول هو إصلاح حال النَّاس في دينهم (وَالدُّنْيَا الَّتِي يَحْتَاجُ إلَيْهَا الدِّينُ، وَعِفَّتُهُ فِي نَفْسِهِ) يعطي النَّاس ويجود عليهم، أمَّا هو فيعف في نفسه، فلا يأخذ من المال إلا ما أجاز له الشرع أن يأخذه، كما هو حال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وكما هو حال الخلفاء الرَّاشدين - رضي الله عنهم - أجمعين (فَلَا يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ، فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ التَّقْوَى) فيتقون أكل أموال النَّاس بالباطل، ويتَّقون الله - سبحانه وتعالى - في الأموال أخذًا وصرفًا (وَالْإِحْسَانِ {إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ} [النحل:128] ) أي يحسنون إلى النَّاس.
(وَلَا تَتِمُّ السِّيَاسَةُ الدِّينِيَّةُ إلَّا بِهَذَا، وَلَا يَصْلُحُ الدِّينُ وَالدُّنْيَا إلَّا بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ.) ولذلك كلما كان النَّاس والأمراء أقرب إلى هذه الطريقة كان صلاح دينهم ودنياهم بحسب ذلك، لأنهم بذلك يقتربون من حال النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحال خلفائه الرَّاشدين (وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُطْعِمُ النَّاسَ مَا يَحْتَاجُونَ مِنْ طَعَامِهِ، وَلَا يَأْكُلُ هُوَ إلَّا الْحَلَالَ الطَّيِّبَ، ثُمَّ هَذَا يَكْفِيهِ مِنَ الْإِنْفَاقِ أَقَلُّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْأَوَّلُونَ) لأنه عفيف في نفسه، فلا يحتاج إلى الأموال كما يحتاج الأولون الَّذين هم نهَّابون وهَّابون (فَإِنَّ الَّذِي يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ، تَطْمَعُ فِيهِ النُّفُوسُ، مَا لَا تَطْمَعُ فِي العَفِيفِ) لأنَّه ليس لديه شيء يخص به نفسه، فلذلك ارتاح من النَّاس