فهرس الكتاب

الصفحة 197 من 346

يحسن لمن آذاه، وهذه كانت صفة النبي - صلى الله عليه وسلم - (كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ -رضي الله عنها- قَالَتْ:"مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ وَلَا امْرَأَةً وَلَا دَابَّةً وَلَا شَيْئًا قَطُّ إِلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللهِ) فيضرب أعداء الله بالسيف لأنَّ هذا من الغضب لله - عز وجل -، فأعظم الحرمات التي تُنتهك هو توحيد الله - سبحانه وتعالى - الذي تجرَّأ هؤلاء الكفرة عليه، فلذلك كان النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أشجع النَّاس (وَلَا نِيلَ مِنْهُ شَيْءٌ قَطُّ) أي ولا آذاه أحد قط أذية تتعلق بنفسه (فَانْتَقَمَ لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللهِ، فَإِذَا انْتُهِكَتْ حُرُمَاتُ اللهِ لَمْ يَقُمْ لِغَضَبِهِ شَيْءٌ حَتَّى يَنْتَقِمَ للهِ" [1] فالمقصود أنَّ هذه هي منازل أهل الإيمان والصدق والتقوى وأهل الإحسان، وقد جاء ذمُّ الغضب في مواطن كثيرة في أحاديث النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - منها"أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أَوْصِنِي، قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» فَرَدَّدَ مِرَارًا قَالَ: «لَا تَغْضَبْ» " [2] ، وقال: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ» [3] أي القوي الحقيقيّ هو الذي ينتصر على نفسه، ويستطيع أن يكظم غيظه، وهو قادر على إنفاذه، لأنَّ الإنسان قد يكظم غيظه ذلَّة كإنسان يكون في موطن لا يستطيع فيه أن ينتقم فهو ضعيف مهين ذليل، ويؤذى ثمَّ بعد ذلك يسكت ويقول: أكتم غيظي!، وهذا ليس كظمًا للغيظ، وإنَّما هذا هو ذلَّة ومهانة، وإنَّما كظْم الغيظ عندما يكون الإنسان قادرًا على الانتقام، وقادرًا على الردِّ، كما جاء في بعض الأحاديث أنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ كَظَمَ غَيْظًا -وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنْفِذَهُ- دَعَاهُ اللَّهُ - عز وجل - عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُخَيِّرَهُ

(1) . من حديث عائشة: البخاري (3367) ، ومسلم (2328) ، وابن حبان (488) ، وأحمد (24080) ، ومالك (1603) .

(2) . من حديث أبي هريرة: البخاري (5765) ، والترمذي (2020) ، وأحمد (8729) ؛ ومن حديث جارية بن قدامة: ابن حبان (5689) ، والحاكم (6578) ، وأحمد (16006) .] صححه الألباني [.

(3) . من حديث أبي هريرة: البخاري (5763) ، ومسلم (2609) ، وأحمد (7218) ، ومالك (1613) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت