فهرس الكتاب

الصفحة 198 من 346

اللَّهُ مِنَ الْحُورِ مَا شَاءَ» [1] فكظم الغيظ إذن أمر عظيم، ولذلك جاء في المثل عند العرب"الغضب أوله جنون وآخره ندامة".

(فَأَمَّا مَنْ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ لَا لِرَبِّهِ) فإذا انتهكت محارم الله - عز وجل - فلا يلتفت إليه وكأن الأمر لا يعْنِيه، وأما إذا أوذي هو فعندها ينتقم لنفسه ويغضب (أَوْ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ وَلَا يُعْطِي غَيْرَهُ) يجمع الأموال ويحوطها ويحوزها لنفسه، ولا ينفق على النَّاس شيئًا (فَهَذَا الْقِسْمُ الرَّابِعُ، شَرُّ الْخَلْقِ، لَا يَصْلُحُ بِهِمْ دِينٌ وَلَا دُنْيَا) لا يصلح به الدِّين لأنه لا يغضب لمحارم الله، ولا تصلح به الدُّنيا لأنه يأكل أموال النَّاس ولا يعطيهم. (كَمَا أَنَّ الصَّالِحِينَ أَرْبَابَ السِّيَاسَةِ الْكَامِلَةِ، هُمْ الَّذِينَ قَامُوا بِالْوَاجِبَاتِ وَتَرَكُوا الْمُحَرَّمَاتِ، وَهُمْ الَّذِينَ يُعْطُونَ مَا يُصْلِحُ الدِّينَ بِعَطَائِهِ، وَلَا يَأْخُذُونَ إلَّا مَا أُبِيحَ لَهُمْ، وَيَغْضَبُونَ لِرَبِّهِمْ إذَا اُنْتُهِكَتْ مَحَارِمُهُ وَيَعْفُونَ عَنْ حُظُوظِهِمْ، وَهَذِهِ أَخْلَاقُ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي بَذْلِهِ) أي في عطائه وسخائه (وَدَفْعِهِ) في غضبه وشجاعته (وَهِيَ أَكْمَلُ الْأُمُورِ، وَكُلَّمَا كَانَ إلَيْهَا أَقْرَبَ، كَانَ أَفْضَلَ، فَلْيَجْتَهِدْ الْمُسْلِمُ فِي التَّقَرُبِ إلَيْهَا) لم يقل في الوصول إليها وإنَّما في التقرُّب إليها، فلا يمكن أن نصل إلى الصورة التي كان عليها النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ولا التي كان عليها خلفاؤه الأربعة، ولذلك عندما اجتهد عمر بن عبد العزيز - رضي الله عنه - لأن يكون مثل أولئك في سياسة النَّاس في الدِّين، وردِّ الأموال والمظالم إلى أهلها، وعفَّ هو في نفسه، فلم يأخذ من أموال النَّاس شيئًا، ومنع أبناءه من أموال النَّاس، وجاد على النَّاس وأعطاهم، عدَّه العلماء من الخلفاء الرَّاشدين [2] ، فهكذا

(1) . من حديث معاذ بن أنس الجهني: الترمذي (2021) ، وأبو داود (4777) ، وابن ماجه (4186) ، وأحمد (15675) .

(2) . (وقال مالك عن عبد الرحمن بن حرملة عن سعيد بن المسيب أنه قال: الخلفاء أبو بكر والعمران، فقيل له: أبو بكر وعمر قد عرفناهما فمن عمر الآخر؟ قال: يوشك إن عشت أن تعرفه، يريد عمر بن عبد العزيز، وفي رواية أخرى عنه أنه قال: هو أشج بني مروان. وقال عباد السماك وكان يجالس سفيان الثوري: سمعت الثوري يقول: الخلفاء خمسة، أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وعمر بن عبد العزيز. وهكذا روي عن أبي بكر بن عياش والشافعي وغير واحد. وأجمع العلماء قاطبة على أنه من أئمة العدل وأحد الخلفاء الراشدين والائمة المهديين. وذكره غير واحد في الأئمة الاثني عشر، الذين جاء فيهم الحديث الصحيح:(لا يزال أمر هذه الأمة مستقيما حتى يكون فيهم اثني عشر خليفة كلهم من قريش) . وقد اجتهد رحمه الله في مدة ولايته -مع قصرها- حتى رد المظالم، وصرف إلى كل ذي حق حقه، وكان مناديه في كل يوم ينادي: أين الغارمون؟ أين الناكحون؟ أين المساكين؟ أين اليتامى؟ حتى أغنى كلا من هؤلاء.) البداية والنهاية (9\ 225)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت