إن الله تعالى أرسل نبيه بالسلطان، والسلطان يجمع بين الأمرين؛ يجمع بين سلطان الحجة والقلم والهداية -يعني سلطان العلم-، وكذلك سلطان القوة والقدرة والسيف والنصرة، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - أُرسل بهذين الأمرين، يعني داعيًا إلى الله - سبحانه وتعالى - على بصيرة، وناصرًا لما يدعو إليه بالقوة والسيف، فلا يمكن للكتاب أن ينفصل عن السيف، ولا يمكن للسيف أن ينفصل عن الكتاب، لا بد أن يجتمعا معًا.
(وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ، وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةً خَالِصَةً خَلَاصَ الذَّهَبِ الْإِبْرِيزِ [1] ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، وَشَهَادَةً يَكُونُ صَاحِبُهَا فِي حِرْزٍ حَرِيزٍ.
(أَمَّا بَعْدُ) فَهَذِهِ رِسَالَةٌ مُخْتَصَرَةٌ، فِيهَا جَوَامِعُ مِنْ السِّيَاسَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْإِنَابَةِ النَّبَوِيَّةِ، لَا يَسْتَغْنِي عَنْهَا الرَّاعِي وَالرَّعِيَّةُ، اقْتَضَاهَا مَنْ أَوْجَبَ اللَّهُ نُصْحَهُ مِنْ وُلَاةِ الْأُمُورِ، كما قال النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمَرَكُمْ» [2]
ذكروا أن شيخ الإسلام -رحمه الله- كتب هذه الرسالة أو هذا الكتاب في عشيِّة واحدة، وليس هذا بغريب ولا عجيب على شيخ الإسلام.
وكما أشار هنا كتبه نصحًا لبعض ولاة الأمور في زمنه، واستدل بالحديث الذي يقول فيه النبي - صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا»
(1) . الذهب الإبريز: الخالص. (لسان العرب: 5\ 309) (تاج العروس: 15\ 23)
(2) . من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه: ابن حبان (3388) ، وأحمد (8785) ، ومالك (1796) . وجاء في صحيح مسلم (1715) دون ذكر مناصحة ولاة الأمر.