يعني توحيد الله - سبحانه وتعالى - «وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا» يعني أن تكونوا جماعة واحدة غير متفرقين ولا متنازعين ولا مختلفين، وورد هذا في كتاب الله في مواطن كثيرة كقول الله - سبحانه وتعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ} ] الصف:4 [، وكقوله - سبحانه وتعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} ] الأنفال:46 [، وكقوله تعالى: {وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} ] آل عمران:103 [، ونهانا الله - سبحانه وتعالى - أن نكون كالأمم السابقة الذين تنازعوا واختلفوا فقال: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ} ] آل عمران:105 [يعني فكونوا متفقين متآلفين معتصمين بحبل الله - عز وجل -، فهذا مما يرضاه الله لنا. والأمر الثالث: «وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمَرَكُمْ» وهذا يشير إلى أمرٍ عظيم، وكما جاء في الحديث المعروف المشهور: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» [1] فالدين النصيحة يعني كأن الدين كله جُمع في كلمة النصيحة، فمما يرضاه الله لنا أن نناصح من ولَّاه الله أمرنا، والنصيحة هي الإرشاد على الخير والحث عليه، أو التحذير من الشر، فهذه النصيحة إما أن ترشده إلى خير، قد يكون واجبًا قصَّر فيه، أو مستحبًا فرَّط فيه، أو شيئًا غفل عنه، فأنت تنبهه إلى هذا الخير، أو تحذره من شر وقع فيه، فهذا أيضًا من النصح، فالإنسان إذن لا يحتقر نفسه، وينبغي أن يكون مناصحًا لأمرائه، فالأمراء لم يخرجوا عن صفات البشرية مهما علا كعبهم، ومهما علا صيتهم، ومهما كانت منزلتهم، فهم لا يزالون بشرًا، وما زال فيهم النقص
(1) . من حديث تميم الداري - رضي الله عنه: مسلم (55) ، وابن حبان (4574) ، وأبو داود (4944) ، والنسائي (4197) ، وأحمد (16982) .