القول الثاني وهو أنَّ"أو"للتخيير، يعني أنَّ الإمام مخيَّر في أيٍّ من العقوبات شاء عاقبهم بها، والتخيير هنا ليس تخيير تَشَهٍّ وهوى، وإنَّما هو تخيير اجتهاد ونظر وتحرِّي، فهنا قد يقتل الإمام من أخذ مال النَّاس بالسِّلاح، وقد يقطع اليد والرجل من خلاف ممن أخاف السَّبيل فقط وهكذا، يعني أنَّ هذه العقوبات جعلها الشَّرع للإمام يختار منها ما يراه مناسبًا، وهذا هو مذهب الإمام مالك -رحمه الله- [1] (كَمَا أَنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّهُمْ إِذَا أَخَذُوا الْمَالَ قُتِلُوا وَقُطِعُوا وَصُلِبُوا) فهناك قول آخر يرى أنهم إذا أخذوا المال فقط، ولو لم يقتلوا جاز أن تَجمع لهم جميع العقوبات أن تقطَّع أيديهم وأرجلهم من خلاف ثم تصلِّبهم ثم تقتلهم بعد ذلك، فيكون"أو"في الآية بمعنى الواو، وهذا موجود في العربيَّة (وَالْأَوَّلُ قَوْلُ الْأَكْثَرِ) أي القول بأنَّ كلَّ عقوبة بحسب الجريمة، والذي يظهر -والله أعلم- أنَّ مذهب الإمام مالك هو الرَّاجح، لأنَّ الأصل في"أو"أن تكون للتخيير، وإخراجها عن هذا الأصل يحتاج إلى دليل، وقول ابن عباس ضعيف [2] .
(فَمَنْ كَانَ مِنَ الْمُحَارِبِينَ قَدْ قَتَلَ، فَإِنَّهُ يَقْتُلُهُ الْإِمَامُ حَدًّا لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ بِحَالٍ بِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ. ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ [3] نحن نعلم أنَّ من قتل مؤمنًا متعمِّدًا، فأمْرُ المقتول راجع إلى أولياء الدَّم، إن شاؤوا اقتصُّوا، وإن شاؤوا عفوا، وإن
(1) جاء في بداية المجتهد (2\ 455) : (قال مالك: إن قتل فلا بد من قتله وليس للإمام تخيير في قطعه ولا في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه. وأما إن أخذ المال ولم يقتل فلا تخيير في نفيه وإنما التخيير في قتله أو صلبه أو قطعه من خلاف. وأما إذا أخاف السبيل فقط فالإمام عنده مخير في قتله أو صلبه أو قطعه أو نفيه.) وانظر: المدونة الكبرى (4\ 552 - 556) ، مواهب الجليل (8\ 427 - 432) .
(2) . المقصود هنا ضعف الإسناد، والله أعلم.
(3) . جاء في المغني (10\ 302) : (إذا قتل وأخذ المال فانه يقتل ويصلب في ظاهر المذهب، وقتله متحتم لا يدخله عفو، أجمع على هذا كل أهل العلم، قال ابن المنذر: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم روي عن عمر وبه قال سليمان ابن موسى والزهري ومالك والشافعي وأصحاب الرأي)