فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 346

مشهدًا لنُرْبِيَنَّ، يعني لنزيدن عليهم في المثلة كمًّا ونوعًا، فعند ذلك في يوم فتح مكة أراد الأنصار أن يوفوا بقسمهم فأنزل الله هذه الآية {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} [النحل:126 - 127] ولذلك قال بعض العلماء إنَّ المثلة جائزة في حقِّ المسلمين المجاهدين، محرَّمة في حقِّ النبي - صلى الله عليه وسلم -، لأنَّ هؤلاء المسلمين قال الله لهم: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} وأمَّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قال الله له: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} (وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ بِمَكَّةَ) لأنَّ هذه الآية في سورة النحل وهي مكية، فكيف تكون نزلت عند فتح مكة؟ وغزوة أحد إنما كانت في السَّنة الثَّالثة للهجرة، فقال شيخ الإسلام إنَّ الآية قد تنزل أكثر من مرَّة، تكون قد نزلت في مكَّة ثم جاء سبب يقتضي إنزالها مرَّة أخرى فينزلها الله - سبحانه وتعالى - بناء على هذا السبب (مِثْلَ قَوْلِهِ: {وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي} [الإسراء:85] وَقَوْلِهِ: {وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ} [هود:114 [. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي نَزَلَتْ بِمَكَّةَ، ثُمَّ جَرَى بِالْمَدِينَةِ سَبَبٌ يَقْتَضِي الْخِطَابَ، فَأُنْزِلَتْ مَرَّةً ثَانِيَةً، فَقَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «بَلْ نَصْبِرُ» . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عن بُرَيْدَةَ بن الْحُصَيْبِ - رضي الله عنه - قال:"كَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِذَا بَعَثَ أَمِيرًا عَلَى سَرِيَّةٍ أَوْ جَيْشٍ أَوْصَاهُ بِتَقْوَى اللَّهِ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ وَبِمَنْ مَعَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا، ثُمَّ يَقُولُ: «اغْزُوا بِسْمِ اللهِ وَفِي سَبِيلِ اللهِ، قَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ، وَلاَ تَغْلُوا، وَلاَ تَغْدِرُوا، وَلاَ تُمَثِّلُوا، وَلاَ تَقْتُلُوا وَلِيدًا» [1] .) قال الشيخ العثيمين:"والصبر أفضل ولكن إذا كان يترتب على فعلنا بهم كما فعلوا بنا مصلحة أعظم

(1) . من حديث بريدة الأسلمي - رضي الله عنه: مسلم (1731) ، وابن حبان (4739) ، والترمذي (1617) ، وأبو داود (2612) ، وابن ماجه (2858) ، وأحمد (23028) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت